جدل مع ديميستورا الساعي لتمكين السوريين من حلّ أزمتهم: نحتاجُ إلى مزيد من فصل الدين عن الدولة وعن السياسة

لا يَصعُبُ تخمين رد فعل السيد ديميستورا، عندما يقترح بعض المحاورين السوريين الصفة المدنية بديلاً عن علمانية الدولة السورية، في المبادئ التي تضمنتها القرارات الدولية، ذات الصلة. أرجّح أنه يهتم بمعرفة رأي المواطنين المعنيين بهذه المسألة الحساسة، لارتباطها بطريقة عيشهم وحقوقهم ومستقبلهم، وأنا منهم:

نشأت، في أسرةٍ علمانية، نسبةً لجدّي المولود عام ،1886 وشارك في (السفر برلك)، عشية الحرب العالمية الأولى. أسرَهُ الجنود البريطانيون، كعدو من جيش الدولة العثمانية. بيد أنه تأثر بالتحولات الجارية التي كرست العلمانية صفةً دستوريةً أساسية للدول الأوربية. كان من رجالات التنوير وتعرّض للضرب المبرح، من قبل المنتمين إلى الحركة الإسلامية الوليدة(شباب محمد)، في أحد شوارع مدينة حمص، مطلع أربعينيات القرن الماضي، لأن ابنه (والدي) اعتنق الشيوعية.

عمي الدكتور عدنان البني عالم آثار معروف، عالمياً، وهو مختصّ بالتدمريات، وله مؤلفات مشتركة، عن تدمر، مع الشهيد خالد الأسعد، الذي أعدمته داعش وصلبته بالصورة التي أثارت غضب العالم. كاد عمي أن يستشهدَ، عام ،1947 وأُثخنَ جسده بالجراح، عندما هاجمت مجموعة إسلامية متطرفة، مكتب الحزب الشيوعي وحاولت حرقه. ولكن جسده طُمر، بعد عشرات السنين، عندما انهار فوقه، مدفن تدمري، كان ينقّب فيه عن لقى أثرية ذات قيمة إنسانية عالية، وأُنقذ، في الرمق الأخير.

كنتُ مجتهداً في مادة الديانة الإسلامية، في الصف الأول الإعدادي، ولكن أستاذ المادة، رحمه الله، كان يسبب لي حرجاً، عندما يدّعي أمام رفاقي، أنني أنحدر من أسرة تُنكر الله، لأنها علمانية، حسب زعمِه..

***

العلمانية هي خيار تاريخي لخمسة أجيال من أسرتي. دفعنا أثماناً له، ولسنا آسفين لذلك. عانت عشرات ألوف الأسر السورية، كأسرتي، الكثير من المتطرفين، دينياً، وجابهتهم عقوداً طويلة، وهي متمسكة بالعلمانية، وتعتزّ بأنها ساهمت في منع تحول سورية إلى دولةٍ ذات هوية إسلامية، وسط مجموعة كبيرة من الدول الدينية، أو التي تنتشر فيها الطائفية، وتحيط بنا من الجهات الأربع.

أقدر رغبته السيد ديميستورا، في إيجاد نقاط مشتركة بين السوريين، خلال الحوار الصعب الذي يديره، في جنيف، لكنني أعتقد أن العلمانية السورية المحدودة، التي تُمارس، واقعياً، لن تتعرض للتضييق، فهي أقل بكثير مما تحتاج إليه سورية ومنطقتنا، لمجابهة ناجعة مع التطرف الديني وبيئته الحاضنة.

ثمة حاجة للكثير من التفكير والبحث المعمّقين، في العوامل القريبة والبعيدة لظهور التطرف السلفي بأقسى صوره، في سورية والعراق والعديد من البلدان العربية، وعلى مساحة العالم. تُطرح تساؤلات حول الأخطاء المرتكبة من قبلنا، نحنُ، في التيارات العلمانية أو الليبرالية، والتي أدّت إلى بعث الظاهرة الدينية السلفية.

ربما يكون أحد تلك التساؤلات، هو: هل بُذلت، في البلدان التي استقلّت، بعد الحرب العالمية الثانية، جهود كافية لتوسيع مساحة فصل الدين عن الدولة؟ أم أنه جرى تحاشي توتير العلاقات الاجتماعية، بسبب حساسية المسألة الدينية، حتى بعد أن أصبحت الدولة الإسلامية هدفاً يُعمل على تحقيقه، دون هوادة، من قبل الإسلاميين المتشددين.

رُفع شعار: الإسلام دين ودولة، في مصر ثم في سورية، ثم أصبحت المنطقة العربية وجوارها، حتى أواسط آسيا، تربةً لنشوء مزيدٍ من الدول الإسلامية، في تطورٍ، يخالف سمة العصر الأساسية وهي: الطابع العلماني للدولة الحديثة، مندمج مع المدنية والديمقراطية والتعددية والتداولية والعدالة الاجتماعية.

ماذا يمكن فعله، الآن، بعد أن ظهرت دولة الخلافة، بوصفها الشكل الحقيقي الأبرز للدولة الإسلامية المحتملة؟ إضافةً إلى ممارسات سياسية في جوارنا، يغلبُ عليها اللون الإسلامي(المذهبي) السياسي، بحيث يطبع الدولة والمجتمع، وتكاد تختفي فيهما حركات سياسية مدنية فاعلة.

علينا أن نتحلّى بالكثير من اليقظة والحذر، ذلك أن أيّة دولة، ذات طابع ديني، ستحمل شيئاً قليلاً أو كثيراً من مواصفات دولة الخلافة المزعومة: نزعة صراعية مع الآخر لإلغائه، رفض لأي حق من حقوق الإنسان، تدمير المعالم الحضارية، إذلال أكبر للمرأة من قبل رجالٍ مرضى،.. تجسّد كلها رغبة مجنونة بالانتقام من إنسانية الإنسان..

ربما تُحفّز تجربتنا الدموية مع داعش، وانتشارُ نموذجي الدولة والمجتمع الدينيين، في محيطنا، تكوّنَ حركة مدنية علمانية نشطة، تحقّق المزيد من فصل الدين عن الدولة وعن السياسة، دستورياً وثقافياً واجتماعياً، بحيث يكون هذا الفصل عنوانَ المرحلة القادمة من التاريخ السوري الحديث، بدءاً من صياغة الدستور الجديد، المتفق على أنه الجزء الأهم، في الحلّ السياسي للأزمة. سيُسهم مثل هذا التطور في سدّ الطرق أمام عودة تجارب أخرى، داعشية أو قريبة لها، في المستقبل.

ينبغي أن تكون المساواة الحقيقية بين السوريين، وخصوصاً نبذ كلّ ما يجعل المرأة أقلّ شأنا من الرجل، في أي مجال حياتي، هي السمة السائدة في مواد الدستور. ولا يمكن أن تتحقق المساواة المواطنية، بمنح ميّزات لفئة من فئات المجتمع، تحت أي عنوان، مثل (دين الدولة) أو (دين رئيسها). إن حقوق الأكثرية والأقلية تتساويان في القضايا الوجودية.، أي لا يمكن أن تُعطى الأكثرية حق إلغاء الأقلية، دينية كانت أو قومية أو سياسية.

تساعد العلمانية في توطيد الديمقراطية، ذلك أن حركة المجتمع بقواه المختلفة، نحو تحسين أداء السلطة لن تقع تحت ضغط التيار الإسلامي المتطرف المتعطش للانفراد بالحكم، وليس تحسين أدائه، عبر تطورٍ سياسي مجتمعي مطلوب بزخمٍ، دون توقف.

***

عندما يعود السوريون إلى حياتهم الطبيعية، سيردّد كثيرٌ من شبابنا الذين فقدوا أحلى سنوات حياتهم، أو كلّها، ما كتبه هلموت شميدت، المستشار الألماني الأسبق، في كتابه (مسؤولية الدين) – ترجمة الصديقين إيرينا وماجد داوود ـ (…عندما رجعتُ إلى البيت، عام ،1945 بعد ثماني سنوات من الخدمة العسكرية(حارب في صفوف الجيش النازي)، كنتُ آنذاك شاباً يافعاً، ولكن قليل المعرفة، والشيء الوحيد الذي عرفتُه هو: أن كل ما حصلَ، لا يجوز أن يحصلَ مرّة أخرى. لذلك بدأتُ، بعد وقتٍ وجيز، أميلُ إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية).

العدد 1140 - 22/01/2025