«أساور» جوانا إحسان أبلحد… من معدن المجاز والواقع

 تدعونا الشاعرة العراقية جوانا إحسان أبلحد، للخوض، أو بالأحرى للتخويض في لعبةٍ لغوية مفتوحة على التأويل وبكل مهارة صناعة التراكيب اللغوية، بل إنّ غواية الشاعرة تكمن هنا في هذه الدعوة، في هذه المسعى صوب إنشاء حقولٍ وبساتين للغة، وذلك في مجموعتها (أساور.. من معدن المجاز) الصادرة حديثاً عن دار بعل في دمشق.

تراكيب لغة، تُنشئ من خلالها غيوماً لتروي صحارى وأراضي القول الجافة، أو التي دخلت في طور اليباس، فتزهر الأرض العطشى بورود الكلمات، لأجل هذه الغاية، تتوسل أبلحد شياطين الشعر في فاتحة مجموعتها (يا عصيّ الشعر تحنن) لتكون حنونة معها، ودفاقة في هطل المجاز، وتهدي القصيدة لكلّ شاعرةٍ، أو شاعر، حرنت لديه القصيدة ذات جفاف خيال، أو عندما حاول الشاعر امتطاء متن القصيدة،  كأن أبلحد، هنا تذكّرنا بما حصل للشاعر اللبناني العتيق، أو بما ردده ذات خيانة للقوافي له، وأقصد هنا الشاعر بشارة الخوري، وهو يلوم القوافي التي كانت ذات حين رهن أصابع خياله، لكنها، وقد بلغ من العمر عتيّاً تقف منه موقف المجافي:

ما للقوافي إذا جاذبتها نفرت

رعت شبابي وخانتني على كبري

في قصيدة الشاعرة (يا عصيّ الشعر تحنن) تكشف خلالها عن كنه الشعر لديها، وتقدم تعريفات كثيرة لمجيء الشعر، تماماً كتنوّع الولادات، فثمة امرأة تلد بعملية قيصرية، وأخرى تأتي بوليدها بشيءٍ من الراحة، وحيناً ميتاً، و.. بكل الأحوال تتعدد الولادات، كما تتعدد أشكال هيئة المولود وجنسه من القزامة والتشوّه، وحتى الجمال الخالص، وهكذا هي القصيدة، وهي في توسلها لمجيء القصيدة النادرة تبتهل لأخت الثريّا، وليس لأي كائن آخر:

(يا أختَ الثريّا،

كيف لم أذعن لنُصحك؟!

قُلت: للثعلب أنيابٌ مُدببة النوايا

قلتُ: لكنّ ذيلهُ ناعمُ الأوقات).

وفلسفة الكنه الشعري حسب رؤية الشاعرة، ستكشف عنه في غير قصيدة، فالقصيدة – الوليد، الذي هو غزال معنى الشاعرة، الذي يتقافز تارةً خوفاً، وطوراً لعباً ولعوباً، ومراوغةً، هذا الغزال، هو (أنا – الشاعرة) الذي يُخاتل الثعالب، فيلين هنا، ويمكر هناك، ليصل الخواتم بأقل ما يمكن من الخسائر، وبأكثر ما يمكن من صيد المعاني والمجاز، ما دامت خيارات المرور ليست متعددة، وما دام ثمة ثعالب كثيرة على الطريق، وما بين نعومة ذيل الثعلب، وأنيابه ثمة دروب لنجاة القصيدة.

(عطره العالق نثراً بأريكة ال حَصَل

بقايا الذي جرى بكؤوس ال جرى

وأعقاب سجائرٍ نفثت همومه

رؤيويّة أم خبريّة،

لمُجمل همومه مذاق الأناناس

كغذاء واحد

لضائعٍ وحيد

على جزيرةٍ متوحّدة).

في هذا الإغواء للعبة اللغوية التي ترتكبها الشاعرة جوانا أبلحد، فهي تصرّ أن تأخذنا من يدنا صوب غايات التأويل، وصوب استعمالات جديدة للمفردات والمصطلحات، فثمة كلمات ملت من تكررها الطويل للغايات نفسها، أو من إعطائها الوظائف نفسها والمهمات لأزمان كثيرة، تبدأ ذلك من إشارتها الأولى في عنوان المجموعة، فلا تترك ال (أساور) وحدها عتبة عنوان، وأنما تُضيف إليها، (من معدن المجاز)، وحتى عناوين القصائد داخل المجموعة، قليلاً ما تترك العنوان بكلمة وحيدة في أعلى الصفحة، بل ترفقه بأصحاب من مثنى وثلاث، بل إنها لا تضعها بشاكلة المبتدأ والخبر، وإنما دائماً ثمة (جمل مفيدة) تسعى إليها، بهذا التشكيل الجميل من التراكيب المفاجئة، فتأخذ بيد المحسوس ليصير مجرداً، وتمسك بياقة المجرد لتجسده وتشخصه بكامل جماليات المحسوس، ومن ثمّ تجمع تشكيلاتها لتضعها على رفوف (فاترينا) واقعية.

تقول في قصيدة (محاولة ترطيب رجل متصحر):

(إسفنجةٌ مُشبّعةٌ بسوائل قصيدة النثر

إبرةٌ لازورديّةٌ تُرتّق فيه بداوة الحواس

خلخالٌ يرنُّ مع قفزة خاطري

مكحلة انزياحاتٍ مشرقية

بوصلة للرؤى المشاغبة

هوذا أتحسس محتوى الزوادة عند بوابة كيانه).

تبني أبلحد عمارة قصيدتها بعد رحلةٍ موغلة في المجاز، عمارة لا على أرضية الواقع وحجارته، ولا على رمال الخيال، بل على أساسٍ من هنا وهناك، و.. هنا تبدو الفعالية الشعرية لدى الشاعرة في هذا الشغل اللغوي في مقدرة لافتة لا تخلو أحياناً من استعراض، أو مبالغة، وربما يكون هنا مكمن جمال القول الشعري!

عدّتها في ذلك الكثير من التقنيات الفنية، كالتكرار والتوازي في تركيب الجملة الشعرية، والمقلوب في نوعه الذي يتصل بموقع الألفاظ في التركيب – استبدال الكلمة بأخرى ليست من حقلها الدلالي والتقديم والتأخير – وعلى حين تؤدي الظاهرة الأولى إلى شكل من أشكال التوليد، والدلالي الناتج عن الإثارة الانفعالية المضاعفة، فإنّ الظاهرة الثانية تؤدي إلى تبادل الأدوار بين المسند إليهم، قادحةً شرارة الدهشة والعجب. كما أن التكرار هو استخدام الزمن استخداماً يُنقذ الزمن نفسه كما يُعبّر كير كيغارد،

(ثبت بالشوك القاطع أنك والصبّار شريكان

وعجبي لذكرى لا تطردك من مقام الياسمين

ثبت بالسواد القاطع أنك ترتدي جلباب إبليس

وعجبي لذكرى لا ترفع عنك هالة الملاك الحارس

ثبت بالسم القاطع أنك أتيت على العمر بالجرعة الأقوى

وعجبي لذكرى ستبقى تشمّ فيك رائحة الأطفال).

العدد 1181 - 7/01/2026