الموقف المبدئي من القضية القومية… منظور أممي بروليتاري
يكثر هذه الأيام الحديث عن حق تقرير المصير وعن الحقوق القومية لعدد من الشعوب التي نتشارك في العيش معها على أرض وطن واحد منذ مئات السنين.. ويكثر أيضاً التهجم على القومية العربية دون تمييز بين قومي متعصب لعروبته أو مجرد إنسان وُلد لأبوين من أصل عربي، ويغضّ المهاجمون النظر عن كون الشعوب ليست هي بالضرورة حكوماتها، بل وربما كانت الشعوب على تناقض مع حكوماتها، فيقع العربي بين نارين من العداء: نار حكومته التي تضطهده طبقياً وسياسياً، ونار ابن القومية الأخرى الناقم على العروبة لأنها تسلبه حقه القومي أو لا تعترف به..
والأنكى أن يشهر أحدهم في وجهك مثال (صلاح الدين الأيوبي) كونه كردياً ومحرراً للقدس.. ونِعْمَ محرر القدس.. لكن يا حبيبنا في تلك الآونة من الزمن لم يكن لأي شعور قومي وجود، فما بالك بوجود روابط ومكونات للقومية، لم تكن في ذلك الزمن أي قضية قومية، بل كانت الحرب، حتى الحرب، تحت الشعارات الدينية: كان اسمها الحروب الصليبية إن كنتم لا تذكرون، وهو اسم اتفق عليه المتحاربون من كلا الطرفين.. ولم تظهر القوميات بمفاهيمها الحديثة وتكويناتها إلا في القرن التاسع عشر والعشرين، أي بعد قرابة تسعة قرون.. لا حلّ مطلقاً بالتعصب، بل سيزيد التعصب النار أواراً وشراراً.. وذلك بالضبط هو ما يسعى إليه العدو المشترك لي ولكَ أيها الأخ الذي أتشارك وإياه أرض الوطن، وعلينا معاً الدفاع عنه.
الرفاق الأكراد برهنوا في الماضي.. ويبرهنون اليوم عن فهم والتزام عميق بقوميتهم وبوطنيتهم، حين يتبنّون مفهوم أنَّ الكرد مكوِّنٌ أساسي من النسيج السوري ولا تغريد خارج سرب الوطن والوطنية.. إنما لا وطن لمن لا حقوق له في وطنه.. إنه تلخيص رائع للمفاهيم التي نحن بصدد قراءتها فيما يلي:
يبني الماركسيون اللينينيون موقفهم في فهم القضية القومية وفي التعامل معها على أساس مبدئي ومُنْطَلَق هو: (المنطلق الأممي والطبقي البروليتاري)..،.. فالأممية بأبسط تعاريفها تعني: (وحدة مصالح جميع الشغيلة في العالم للوقوف ضد مستثمريهم الرأسماليين). وقد نشأ الأساس المادي للأممية بتطور الرأسمالية وتحوّلها إلى نظام عالمي، وإقامتها وحدة الاقتصاد العالمي.. وقد عبّر ماركس وإنجلز بشعارهما الكفاحي (يا عمال العالم اتحدوا) عن هذه الحقيقة، وعن المنطلقات الأساسية لقلب النظام الاستعماري الرأسمالي العالمي.
وقد تطوَّر مفهوم الأممية مع تحوّل رأسمالية المزاحمة إلى الرأسمالية الاحتكارية (الإمبريالية)، ومع نهوض الحركة العمالية الثورية، وبدء حركات التحرر الوطني في البلدان المستعبَدة، واتساع نطاقها.. لقد شمل الاضطهاد والاستثمار الإمبرياليين عمال البلدان المتقدمة وشعوب الشرق المستعمرة، وهذا ما تطلَّب تطوير شعار ماركس وإنجلز بالشعار الذي أطلقه لينين والقائل: (يا عمال العالم، وأيتها الشعوب المضطهدة.. اتحدوا)، فكان تعبيراً عن تلاحم فصيلتي الحركة الثورية العالمية: الحركة العمالية، وحركة شعوب المستعمرات.
لكنَّ الطبقة العاملة في كل بلد، وكذلك شعوب المستعمرات، التي تربطها جميعاً مصلحة مشتركة ضد مستثمريهما، تتشكّل في داخل أطر قومية.. وهنا تنشأ علاقة ديالكتيكية بين المصلحة المشتركة (الأممية) لجميع المستثمَرين، وتشكُّلهم في داخل أطر قومية متميزة، هي علاقة العام بالخاص، أي بكلمة أخرى: إذا كان نضال الطبقة العاملة، أو نضال أي شعب من الشعوب في إطار قومي معين، هو جزء من الحركة الثورية العامة ذات الطابع الأممي، فإنَّ هذا الجزء له استقلاله النسبي، نظراً لأسباب مختلفة ذات طابع تاريخي، أو بسبب ظروفه الملموسة، وموقعه من الجبهة المواجهة للرأسمالية الإمبريالية. أما المعيار الطبقي (البروليتاري) فينظر إلى كل قضية قومية بصورة ملموسة غير مجرَّدة، من وجهة نظر مصلحة الطبقة العاملة، ومصلحة الثورة الاشتراكية، بمدى تسهيلها، أو لجمها، لحركة التقدم في سبيل الاشتراكية، داخلياً وعالمياً.
أي أنَّ الماركسية اللينينية، أو الأممية الروليتارية، لا تنظر إلى القضية القومية بصورة مطلقة: تؤيدها في جميع الأحوال، أو ترفضها في جميع الأحوال.. إنَّ تحليل الظروف التاريخية والسياسية التي تحيط بكل قضية قومية، في ضوء مصالح الثورة الاشـتراكية، هي التي تحـدّد الموقف الملموس للماركسـية اللينينية.. ففي تعليـق لينين في كتـابه (الثورة الاشتراكية وحق الأمم في تقرير مصيرها) على موقف ماركـس الذي رفض حق تقرير المصير للشـعب التشيكي عام 1848 فكتب: (كانت أسباب تاريخية وسياسية سنة 1848 للتمييز بين (الأمم الرجعية) و(الأمم الديموقراطية الثورية).. وكان ماركس على حق في شجب الأولى، وفي الدفاع عن الثانية.. إنَّ حق تقرير المصير هو أحد مطالب الديموقراطية، الذي ينبغي بالطبع أن يخضع – أي حق تقرير المصير – للمصالح العامة للديموقراطية).
أما القومية، فهي، بوصفها ظاهرة اجتماعية، مبرَّرةٌ تاريخياً.. وهي لا تتكوَّن، وتتكامل دفعةً واحدة، بل خلال عملية تطور طويلة نسبياً.. وقد أنضجَتْ الرأسمالية وأكمَلَتْ الشروط اللازمة لتكوُّن الأمم في أوربا وتكاملها، بإقامتها الرابطة الاقتصادية، والشبكة الاقتصادية المتلاحمة عضوياً في إطار سياسي معيّن، تقطنه مجموعات بشرية تشدُّها رابطة اللغة المشتركة، والتاريخ المشترك، والثقافة المشتركة… الخ… هذه الشروط التي تكوَّنتْ قبل الرأسمالية. وفي داخل كل ظاهرة قومية هناك قطبان متعارضان في وحدة: قطب موجب (تقدمي)، وقطب سالب (رجعي). والمعالجة الصحيحة هي في تتبُّع تطوُّر هذين القطبين، وفي رؤية محصلة تأثيريهما في كل مرحلة.
ففي أوربا مثلاً، في مرحلة نشوء الرأسمالية وتطورها ، كان القطب الإيجابي في ظاهرة القومية هو المحدِّد، لأتَّه باسم القومية كانت القوى المنتجة الرأسمالية تحطم علاقات الإنتاج الإقطاعية الشائخة، وكانت تضرب، في الميدان السياسي، حدود الإمارات الإقطاعية، وتقضي على التجزئة، وتوطّد الدول المركزية.. الخ… أما القطب السلبي، الذي كان يعبِّر عن المصالح الطبقية للبرجوازية، فقد أخذ في النمو والبروز، بعد الانتصار على الإقطاعية، تدريجياً، مع تطور الإنتاج الرأسمالي وبروز تناقضاته، وبدء النضال الطبقي للبروليتاريا. كما تطوَّر هذا القطب السلبي، وأصبح محدِّداً في داخل الظاهرة القومية البرجوازية الأوربية، حين تحوَّلتْ رأسمالية المزاحمة والمنافسة إلى الإمبريالية، فأصبحت القومية ستاراً للسياسة الاستعمارية، ولتبرير الفتوحات والحروب العدوانية.. الخ…
أما في البلدان المتخلّفة، المستعمَرة والتابعة، فإنَّ القطب التقدمي في ظاهرة القومية التي بدأت بالظهور في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان هو المحدِّد منذ البداية، لأنَّ القومية كانت هي الراية التي يناضل تحت رايتها، في ظلها وباسمها كلُّ الوطنيين ضد السيطرة الاستعمارية، وفي سبيل الاستقلال الوطني. غير أنَّ هذا لا يعني زوال تأثير القطب السلبي في ظاهرة القومية في هذه البلدان، فبسبب اشتراك البرجوازية بفئاتها المختلفة في الحركة القومية، وتحت التأثير الفكري والسياسي البرجوازي العالمي (في الماضي والحاضر) يبرز تأثير القطب السلبي (الرجعي والشوفيني، والحذر تجاه الشعوب الأخرى…) في الممارسة السياسية والنشاط الفكري والعملي لبعض العناصر والقوى داخل الحركة القومية..،..إنَّ قوة تأثير القطب السلبي في الحركة القومية تتناسب مع مدى نفوذ العناصر البرجوازية داخل هذه الحركة.
وقد نشأت فكرة القومية العربية في الفترة التاريخية التي بلغتْ فيها الرأسمالية مرحلة الإمبريالية، وفي الوطن الذي يئنُّ تحت نير السيطرة والاستعمار الأجنبيين، مما جعل لفكرة القومية العربية طابعاً تقدمياً، لم يكن تعبيراً عن مصالح البرجوازية الناشئة وحسب، بل كذلك تعبيراً عن مصالح الجماهير الشعبية ومطامحها للتخلص من الاضطهاد الأجنبي.. وقد أقامت السيطرة المباشرة (حمايةً، وانتداباً..) بعد الحرب العالمية الأولى الحواجز دون كل تقارب بين الأقطار العربية المجزّأة… ورغم ذلك، ورغم ما أخذ يخلفه تفاوت التطور الاقتصادي في الأقطار المجزأة، وتبعية تحالف الإقطاع والرأسمال للإمبريالية، من عقبات وعوائق أمام الإرادة العربية الموحّدة، أخذت الروابط القومية تتـسع وتتعمّق باتساع النضال السياسي، وتعاظم الحركة الشعبية ضد كل أنواع السيطرة الاستعمارية… ولقد كانت كارثة فلسطين عنصر تجمع قومي للأمة العربية في شرق الوطن ومغربه، وأدرك العرب أنَّ المسبِّبين الحقيقيين لهذه الكارثة هم: المستعمرون والإمبرياليون وعملاؤهم الحكام العرب الذين خانوا قضية أمتهم القومية.
وبمراجعة تاريخية متأنية نجد أن التغيرات السياسية والاجتماعية التقدمية الكبرى التي شهدها القرن العشرون أثَّرتْ تأثيراً إيجابياً على تطور الحركة القومية في البلدان النامية:
آ – فانتصار ثورة أوكتوبر الاشتراكية العظمى، ونشوء المعسكر الاشتراكي، وانتصار الثورة الصينية… خلق وضعاً عالمياً ملائماً لتطور الحركة القومية للشعوب المضطهَدة، وذلك ليس فقط بمواجهة هذه المنظومة لقوى الإمبريالية العالمية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مما يلجم الامبريالية، ويُسهِّل النضال القومي للشعوب المضطَّهَدة ويُسّرِّعه، وبما تقدمه هذه المنظومة من مساعدات مباشرة متنوعة للحركة القومية، بل كذلك بما قدَّمتْهُ من نموذج جديد لحلّ القضية القومية على أساس مبدأ الأممية البروليتارية، وفي إطار النظام الاشتراكي. فلم يَعُدْ أمام الشعوب المضطَّهَدة وحركتها القومية نموذج واحد هو نموذج الدول القومية البرجوازية الأوربية، بل ونموذج آخر هو نموذج الدول القومية الاشتراكية الأكثر تقدماً.
ب- إنَّ انهيار النظام الكولونيالي، ونشوء الدول المستقلة في آسيا وأفريقيا وغيرهما، خلق إطاراً سياسياً واقتصادياً أكثر ملاءمةً لتطور الحركة القومية وتكاملها.
جـ – اتخذت حركة التحرر الوطني طابعاً جديداً لم يكن معروفاً سابقاً، وذلك باندماج مهام التحرر الوطني من الاستعمار بمهام البناء والاستقلال الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي.. مما أغنى المضمون التقدمي للحركة القومية بصورة عامة. أي أنَّ هذه العوامل طوَّرتْ القطب الإيجابي في الحركة القومية في البلدان المضطَهَدة، وضغطَتْ أو عرقلَتْ تطور القطب السلبي فيها.
وإذا كانت الحركة القومية في البلدان العربية قد سارت في هذا المجرى العام نفسه، فإنَّ لها، مع ذلك، بعض الخصائص والسمات المميزة، منها:
آ – إنَّ العلاقة بين الأمة العربية وحركتها القومية من جهة، والإمبريالية من الجهة الأخرى، لم تكن علاقة مباشرة فقط، بل إنَّ الإمبريالية نجحت في فرض علاقة أخرى غير مباشرة، عن طريق إقامة كيان مصطنع هو (إسرائيل) على الأرض العربية، لمنع الأمة العربية من التمتع بحقها في الاستقلال السياسي، وحق تقرير المصير، أي: حلّ قضيتها القومية والسياسية والاجتماعية بصورة مستقلة.
ب – جرى تقسيم الحركة القومية بعد الحرب العالمية الأولى، أي في السنوات الأولى لنشوء هذه الحركة وتطورها، بفعل التقسيم السياسي والتجزئة الاستعمارية للوطن العربي، وإقامة كيانات سياسية عديدة خاضعة لهذه الدولة الإمبريالية أو تلك.
ج – ونتيجة لعامل التجزئة الاستعمارية، ولبعض الأسباب التاريخية المحلية الخاصة بهذا البلد العربي أو ذاك، تطوَّرت الحركة القومية بصورة متفاوتة في البلدان المختلفة، وأدَّتْ إلى نتائج مختلفة: تحرر بعضها سياسياً قبل بعضها الآخر، اتخاذ بعضها طريق التطور التقدمي قبل غيرها، أو بصورة أكثر جذريةً…