أيتها الحكومة.. لم نعد نحتمل المزيد.. ارحمونا..!
تمضي الأزمة إلى خواتيمها، كما يلوح في الأفق المحلي والإقليمي والدولي، في الوقت الذي يمضي فيه حال المواطن من سيئ إلى أسوأ، ولا يكاد يصل إلى حافة الحفرة التي وجد نفسه داخلها نتيجة الظروف وبعض القرارات الارتجالية (خصوصاً من الفريق الاقتصادي) حتى يجد نفسه وقد عاد إلى قعر الحفرة، كنتيجة طبيعية لبعض القرارات التي على ما يبدو تتخذ دون معالجة انعكاساتها السلبية على الشريحة الكبيرة من المواطنين، وأعني هنا شريحة متوسطي الدخل الذين يتناقص عددهم لصالح فاقدي الدخل..!
ومن القرارات التي قد نتذكرها في ظل هذه الحكومة العتيدة (حكومة الأزمة التي أعتقد أنها خلقت أزمات لدى المواطن المعتّر الذي لم يعُد يحتمل المزيد) قرار رفع سعر الوقود بكل أنواعه، ابتداءً بالمازوت، مروراً بالبنزين وصولاً إلى الغاز، وما رافق هذه القرارات من امتعاض لدى المواطن وارتياح لدى التجّار الكبار وأصحاب الشركات والكازيات، وبالطبع دون إغفال ما رافق هذه الزيادات من زيادات طالت قطاع التعليم وأسعار الأدوية والمواد الغذائية التي زادت أسعارها بنسبة 300% وأكثر وحالة الفلتان التي تشهدها الأسواق. وأعتقد أن من يلقي نظرة سريعة على أسعار المواد الغذائية، من خضار وفواكه ومواد تنظيف، يصل إلى قناعة تامة بأن هذا المواطن لم يعد يحتمل أكثر، في ظل غياب الضمير والرقابة معاً.بعد انتظار طويل من المواطن لتوزيع الشاي والبرغل إضافة إلى السكر والأرز في صالات ومؤسسات القطاع العام التي وعد جهابذة الحكومة الاقتصاديون بتأمينها، جاءنا القرار الذي لم يكن يتوقعه أحد خصوصاً في هذه الظروف، علماً أن تبريرات المعنيين بالقرار يمكن أن تلقى بعض القبول لدى قلّة قليلة من المواطنين.
القرار ينص على أنه ينبغي على كل تاجر يستجر المواد التموينية التي توزّع بموجب البطاقة التموينية (سكر + أرز) أن يدفع سلفة إلى المؤسسة كضمان لها مقابل الكميات المسلّمة له. وكما ستتابعون معنا خلال هذا الريبورتاج فإن على التاجر أن يدفع كسلفة مبلغاً يتراوح بين 250 ألف و550 ألف ليرة سورية، فهل يعقل هذا؟ يتساءل بعض التجّار.
في البداية نود أن نوضّح أنه يوجد في منطقة الدريكيش بحدود 33 تاجراً كانوا يستجرون من المؤسسة العامة الاستهلاكية كميات مختلفة من المواد التموينية (سكر + أرز) قدّم معظمهم إن لم نقل جميعهم رخص دفاترهم التموينية التي كانوا يستلمون على أساسها المواد المذكورة. وبالطبع فإن قراراهم هذا جاء لعدم توفر السيولة المطلوبة لديهم، إضافة إلى شعورهم بالغبن من قرارات كهذه:
التاجر أحمد يتحدث عن سلبيات هذا القرار، موضحاً أنه لا يستطيع تأمين المبلغ المطلوب كسلفة، فهو يكاد لا يتدبّر شراء بعض السلع لمحلّه الذي لم يعد يدر عليه ما يكفيه ويكفي عائلته، ويتساءل عن الفائدة من قرارات كهذه للمواطن.
السيد إبراهيم يوسف من طرطوس كان يقف في طابور يقدّر عدد المواطنين فيه ب 250 شخصاً، يتحدث عن سلبيات القرار بالقول: كنّا نذهب إلى محل جارنا (أبو خالد) ونعطيه القسائم ونحصل على حصتنا من السكر والأرز، دون أن نحتاج إلى عمليات الدفش واللكم.. أنا هنا منذ السابعة صباحاً وهاهي ذي الساعة تقترب من الواحدة، وحتى الآن لم أحصل على التموين.. طبعاً، كما ترى، فإن دوري ربما لن يأتي اليوم، وأنا موظف، فهل سأحتاج إلى إجازة كي أستطيع تأمين السكر والأرز للعائلة؟! ألا يكفينا ما نعانيه عندما تنتهي أسطوانة الغاز أو بيدون المازوت؟!
التاجر عماد نصر من الدريكيش تحدث عن عدم صحة هذا القرار لأنه لا يخدم أحداً، فالمواطنون الذين يستجرون السكر والأرز كانت محلات زملائه (كما يقول) تستوعبهم، وبالتالي تخفف من الازدحام أمام المؤسسات، فباتوا بحاجة إلى الوقوف في الدور يومين أو أكثر للحصول على حقّهم، إضافة إلى أننا – يضيف السيد عماد – لا نملك المبالغ الكبيرة التي تطلبها المؤسسة كسلفة، وخصوصاً في هذه الظروف. ودعني أسألك عن السبب الذي دعاهم لإصدار قرار كهذا بهذه السرعة. أنا مثلاً أستجر ما مقداره 2267 كيلو من مادة السكر إضافة إلى987 كغ من الأرز، وبحساب دقيق أجد أنني مضطر لدفع مبلغ يقترب من 500 ألف ليرة سورية. وبحساب بسيط أيضاً يمكنني أن أحسب لك ما سأربحه من توزيع السكر والأرز، وهو يتراوح بين 18 و 20 ألف ليرة سورية. تخيّل مقدار السلفة وقيمة الربح. في هذه الحالة يمكن أن أتخلى عن توزيع السكر والأرز وأملأ محلّي بضاعة من أصناف متعددة، وبالتأكيد سيكون ربح هذه البضاعة أضعاف ما أحصل عليه من توزيع السكر والأرز.
حملنا جملة الهموم والمنغصات التي سمعناها من المواطنين المتراصّين أمام المؤسسات في الدريكيش بانتظار التوزيع وقصدنا مركز توزيع، الجملة في الدريكيش حيث التقينا بالسيدة رغداء أسعد رئيسة مركز جملة الدريكيش التي أوضحت أن التاجر سيدفع هذه السلفة لمرّة واحدة يتم إعادتها إليه عند قراره بالتوقف عن استجرار وتوزيع المواد الاستهلاكية التموينية (سكر + أرز) ولكن على ما يبدو فإن قيمة السلفة المرتفعة هي التي جعلت التاجر غير مرتاح لهذا القرار. طبعاً الهدف من السلفة حفظ حق الدولة في حال تصرّف التاجر بالكمية بشكل مخالف لما هو منصوص عليه، وإذا تمنّع عن تقديم القسائم كما هو متعارف عليه.
وفي المركز نفسه التقينا بالسيد سامر تقلا أمين مستودع التوزيع الذي رحب بنا، وأكد أن الكميات كبيرة من السكر والأرز وهي تكفي المحافظة بالكامل ولا خوف من انقطاعها أو نفاذها، ولكن خوف المواطن من انتهاء الكميات قد يكون هو السبب لهذا الازدحام أمام الصالات والمؤسسات الاستهلاكية. أنا أطمئن الأخوة المواطنين بأن المستودعات مليئة بمئات الأطنان من السكر والأرز، ولكننا غير قادرين على توزيعها في يوم واحد لكل المواطنين.
بعد الذي شاهدناه في منطقة الدريكيش توجهنا إلى مديرية المؤسسة الاستهلاكية بطرطوس والتقينا طلال طيبا نائب المدير، الذي أكد لنا أنه يعمل وفق القرارات والأوامر التي تصله من المستوى الأعلى منوهاً بأن الكميات كبيرة جداً في المستودعات ولا داعي للخوف والهلع الذي يبدو لدى البعض من انتهاء السكر والأرز. وأضاف أن على المواطن أن يبلغه عن أي تقصير أو مخالفة، وبالمقابل على المواطن أن يسهّل عمل الموظفين في المؤسسات بالالتزام بالدور وتقديم القسائم مع البطاقة الشخصية ودفتر العائلة للتأكد من هوية صاحب القسائم. وقد أبدى طيبا استعداده لتلقي أية شكوى وحلّها فوراً ضمن الإمكانات المتاحة.
أخيراً.. بعد كل هذا أرى أنه من الواجب إعادة دراسة القرار بسرعة وعدم الوقوف عند ذلك مطولاً، لأن المواطن سواء أكان تاجراً صغيراً أو رب أسرة لم يعد يحتمل المزيد من الضغط النفسي والمالي، فهل من استجابة سريعة من قبل المعنيين رأفة بالمواطن الذي بات ينام على قرارات ويستيقظ على قرارات تزيد من فاقته وبؤسه وتجعل الكوابيس والأحلام السوداء لا تفارقه!