مدينة المياه و«المجارير»!

يبدو أن بعض المسؤولين في محافظة طرطوس لا يستخدمون الصحف والجرائد إلاّ لتنظيف الزجاج في بيوتهم أو لتلميع زجاج سياراتهم، وإلا لكانوا قرؤوا ما يكتب في أكثر من دورية وصحيفة عن التجاوزات والمخالفات وعدم المبالاة في بعض بلديات المحافظة، وخاصة بلدية الدريكيش التي حوّلت اسم المدينة من مدينة المياه والحرير إلى مدينة المياه والمجارير خلال عقد من الزمن! قد يقول القارئ بأننا نتجنّى على البلدية، وهنا أدعو هذا القارئ كي يتفضّل بزيارتنا للاطلاع على الواقع المزري للمنطقة، فالروائح في شوارعها تتفوق على أيّة رائحة، حتى تلك التي تنبعث من محلات الفلافل، خصوصاً في الطريق الواصل بين مدخل الكراج من الجهة الشمالية إلى دوّار صافيتا. هذا العمل الذي ارتأى الجهابذة في البلدية أن يتم مع بداية فصل الشتاء، وكلنا نعلم ما لهذا الفصل من منغصات، خصوصاً على أعمال الحفر وغيرها، ولكن، من فضل الله وربما من غضبه، فإن الشتاء جاء خجولاً هذا العام، ومع ذلك فإن الأعمال تسير بخطا السلحفاة الهرمة.

وإذا كنّا قد كتبنا في مقالات سابقة عن التجاوزات في البناء، مروراً بالتعدّي على الأرصفة، فقد بات الرصيف ملكاً لأصحاب المحلات يفرشون عليه بضائعهم وكراسيهم وأحياناً طاولات المتة وغيرها، فإن لسان المواطن يقول: (اللهم نجّنا مما هو أعظم). ولا يقتصر الأمر على الأرصفة ومخالفات البناء والمواقف العشوائية للسرافيس وحتى سيارات أصحاب المحال التجارية التي تحوّل الشارع الرئيسي في منطقة الدريكيش، ابتداء من ساحة الشيخ منصور إلى ساحة الجامع، إلى زقاق ضيّق، بل يتعداه إلى واقع الكراج، حيث لا مرافق عامة ولا مظلات ولا مياه للشرب، وقد ارتأت البلدية أن تضيف سيارات القمامة (واحدة جاهزة والثانية تغط في عطل عميق) والجرارات إلى الروائح المنبعثة من أكثر من مكان في الكراج، والناتجة عن قضاء بعض المواطنين حاجاتهم الخاصة في زوايا بعيدة عن الأعين.

لدى جولتنا ولقائنا بعدد من المواطنين في الدريكيش، تعددت الآراء وتباينت بين من أكّد أن البلدية تتقاعس عن تنفيذ مهامها، وبين من أعاد السبب في الإهمال إلى عدم تجاوب المحافظة مع مطالب البلدية، وبين من رفض الكلام، وبين من تفوّه بكلمات لا يمكن لورق أن يستوعبها:

السيد أبو طارق تحدث عن عدم ثقته بجديّة العاملين في بلدية الدريكيش، وقال بأنه لم يصل إلى البلدية حتى الآن من هو جدير بأن يقوم بخدمة المواطن على أكمل وجه. وفيما يتعلق بانتشار مياه المجارير لعدة سنوات من فتحات الصرف الصحي في أكثر من مكان في الدريكيش، أكد أبو طارق أن رؤساء البلديات الذين تعاقبوا على بلدية الدريكيش لم يقوموا بواجبهم، والشيء المؤسف أن لا مساءلة جرت لأي منهم.

السيد أبو خضر تحدث عن سنوات من الفوضى والإهمال في الدريكيش، وأشاد برئيسة البلدية الحالية التي تحاول أن ترمم ما أفسده الآخرون الذين سبقوها إلى كرسي البلدية، منوّهاً بعملها الميداني، فقد أكد أنها كانت قبل أيام على رأس العمال الذين يقومون بتركيب قسطل الصرف الصحي في الشارع العام، مع إبداء ملاحظات عديدة على المشروع المذكور، في مقدمتها اختيار قسطل لا يكفي لعدة بيوت، فكيف سيستوعب مخلفات مدينة بأكملها؟ وأضاف السيد أبو خضر أن السبب في عدم قيام بلدية الدريكيش بمهامها على أكمل وجه، يعود إلى أن المحافظة لا تلبي لها كل ماتطلبه من دعم مادي للنهوض بالواقع الخدمي في منطقة الدريكيش.

السيد محمد تحدث عن عدم وجود بلدية في الدريكيش، وتساءل بكثير من الاستخفاف عن معنى وجود بلدية في الدريكيش مادام ترحيل القمامة لا يجري يومياً من بعض الشوارع، إضافة إلى نقص في الإنارة الشارعية، وصولاً إلى حالة الطرق الفرعية والأرصفة التي لم تعد للمشاة، بعد أن احتلتها بسطات الباعة وأصحاب المحلات.

واختتم حديثه بالسؤال عن السبب الذي يجعل بلدية فرعية كبلدية ناحية جنينة رسلان أفضل حالاً من بلدية منطقة الدريكيش؟ وتساءل عن السبب الذي يجعل المحافظة توافق على المشاريع المقدمة لبلدية جنينة رسلان وغيرها من البلديات (المدعومة) -كما وصفها- في حين لا توافق على طلبات بلدية الدريكيش؟!

السيدة هالة محمود تحدثت عن الروائح المنبعثة من مجارير الصرف الصحي وضررها على الحالة الصحية، وتساءلت عن دور البلدية في ذلك، بعد أن المعاناة قد بلغت ذروتها.. وأضافت أنها تستغرب قيام البلدية بمشروع الصرف الصحي بعد أن انقضى الصيف الذي يعتبر فترة مناسبة لإنجاز كل المشاريع، وتمنت في نهاية حديثها أن يصل الإنسان المناسب إلى المكان المناسب كي لا يندم المواطن على من وضع ثقته فيه ذات يوم.

أخيراً.. إذا كان لا يليق بنا أن نذكر كلام بعض من التقينا بهم هنا في هذه المقالة، فأعتقد أن القارئ الكريم قد فهم من هذا الكلام ما قاله بعض المواطنين في منطقة الدريكيش عن مدى رضاهم عن عمل البلدية، وعن عمل المحافظة وتجاوبها مع متطلبات البلديات التي تسعى لترفع سوية الواقع الخدمي في نطاق عملها.. وللحديث تتمة..!

العدد 1195 - 23/04/2026