من يتحمّل وزر عدم فعالية وزارة التجارة العام الماضي؟

أظهرت دراسة حكومية نشرت في إحدى الصحف الحكومية مؤخراً، أن دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لم يكن فاعلاً خلال العام الماضي، فيما يتعلق بأداء الجهات المعنية برسم سياسات ضبط الأسعار ومراقبة جودة السلع، وذلك برغم أن مرسوم إحداثها رقم 46 لعام 2012 أناط بها مهام وزارة التموين والتجارة الداخلية سابقاً، بما يعنيه من عودة الوزارة لممارسة دور تدخّلي فعلي في الأسواق، إلا أنها لم تتمكن من القيام بهذا الدور بالشكل المطلوب.

وأرجعت الدراسة سبب تقصير وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في أداء المهام، إلى تعارض هذه المهام مع سياسات الانفتاح الاقتصادي المتبعة من قبل، وما راكمته خلال تلك الفترة من قوانين وتشريعات تحد من دور الدولة التدخلي، كما أن عدم صدور النطام الداخلي للوزارة، والتأخر في اعتماد بناء الهيكل التنظيمي المناسب بالرغم من مرور أشهر على إحداثها أثرا سلباً على قدرة الوزارة في تحقيق ما هو مأمول منها.

ونحن هنا لابد من السؤال: هل حقاً كان دور وزارة التجارة الداخلية خلال العام الماضي لم يكن فاعلاً؟.. ولماذا؟.. وهل يقع اللوم عليها بمفردها، أم هناك أسباب أخرى أدت إلى عدم قدرتها على ممارسة دورها بشكل فعال أكثر؟

فضلية: الوزارة نجحت في التدخل الإيجابي.. والأسعار ليست مسؤوليتها بمفردها

أوضح د. عابد فضلية، الخبير الاقتصادي في تصريحه لـ(النور)، أنه قلما يحبذ مدح جهة حكومية كان هناك تقصير في عملها أو الدفاع عنها، (ولكن في هذه الحالة أعتقد أن قدرة وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، محدودة، وخاصة أنها وزارة مستحدثة ومعادة إلى العمل الحكومي في ظروف صعبة وقاسية جداً في ظل الأزمة التي تمر على سورية).

ونبه فضلية إلى أنه بالنسبة لقضية ضبط الأسواق والأسعار، فيمكن القول إن العام الماضي شهد فلتاناً في كل شيء، (ولم يقف الأمر فقط عند ضبط الأسعار والأسواق، فهناك فلتان في المواصلات، وعدم التزام في العمل الحكومي والخدمي والهندسي والفني حتى إشارات المرور لم تعد تُحترم للأسف).

وأكد الخبير الاقتصادي أنه لا يمكن الحكم على عمل وزارة التجارة الداخلية خلال العام الماضي لأنه يعتبر ذلك ظلماً لها، وخاصة أن عملية ضبط الأسواق هو عمل جماعي وليس فردياً، فهو يحتاج إلى وعي من المستهلك والمواطن والموظف، ولا أعتقد أن كل العناصر السابقة كانت متوفرة خلال العام الماضي لضبط الأسعار والأسواق، وخاصة أن إمكانات وزارة التجارة محدودة.

وقال فضلية: (نعم، لم يكن هناك فعالية في ضبط الأسعار، ولكن ليس بسبب وزارة التجارة الداخلية بمفردها، بل نتيجة العوامل السابقة التي ذكرناها).

ونبه إلى أن الأسواق لم تكن منضبطة، ولكن لأسباب كثيرة، منها التجار، ومنها ما يعود للمواطن، ومنها لجهات عابثة في السوق، فعندما يكون هناك عدم انضباط ناتج عن ضعف الرقابة يعتبر أمراً، وعندما يكون هناك عدم انضباط في السوق ناتج عن ظروف استثنائية نتيجة الأزمة يعتبر أمراً آخر.

وضرب فضلية على ذلك مثالاً فقال: (البسطات المنتشرة على الطرقات والأرصفة وتوسع اقتصاد الظل، فإلى الآن لم تنجح الجهات المسوؤلة في مكافحة هذا الأمر، على الرغم من محاولتها ذلك أكثر من مرة).

وبالنسبة لقضية التدخل الإيجابي قال فضلية: (أعتقد أن الوزارة نجحت في عملية التدخل الإيجابي في الأسواق بشكل نسبي، وأصبح لها وجود في السوق، وإن لم يكن هذا التدخل على المستوى المطلوب، ولكن أصبح لها أثر واضح على الأسواق من خلال مؤسسات التدخل الإيجابي).

ولفت إلى أن قرارات وزارة التجارة الداخلية لا تعتبر قرارات مستقلة، بل هي جزء من منظومة قرارات تحكومية تصدر، وفي حال كانت القرارات الصادرة ناجحة فإن قرارات الوزارة ستكون ناحجة والعكس صحيح أيضاً، ويمكن القول بأن الأهم من القرار هو نتائج القرار على الأرض.

طالب: دور الوزارة كان إيجابياً في نهاية العام الماضي

وأكد نضال طالب، الخبير الاقتصادي، في تصريحه لـ(النور)، أنه يمكن القول بشكل عادل إن دور وزارة التجارة الداخلية كان في نهاية العام الماضي إيجابياً جداً، فقد لوحظ انخفاض في مستوى الأسعار بحدود 20%، لافتاً إلى أن سعر الصرف لعب دوراً في هذا الانخفاض، ولكن كان للرقابة دور أيضاً في ذلك.

وأشار إلى أن دور وزارة التجارة الداخلية منذ بداية العام الماضي ولغاية الشهر العاشر منه لم يكن مقبولاً، سواء من حيث التدخل الإيجابي في الأسواق أو من حيث الرقابة على الأسواق، حتى إن الرقابة على الأسواق لغاية الآن تعتبر دون المستوى المطلوب، وكذلك الأمر بالنسبة لمؤسسات التدخل الإيجابي.

ولفت طالب إلى أهمية أن يكون لمؤسسات التدخل الإيجابي دور أكثر فعالية، وخاصة في حال مقارنة تدخلها بحجم الدعم المقدم لها، مشيراً إلى أهمية أن يكون هناك رقابة على مؤسسات التدخل الإيجابي، قبل أن يكون هناك رقابة على الأسواق.

وقال طالب: (الأسعار حالياً يمكن القول بأنها استقرت، ولكنها تحتاج إلى ضبط، والضبط يحتاج إلى مراقبين أكثر وتدخل دائم في الأسواق، وخاصة أن وزارة التجارة تتوجه حالياً لتقييد أسعار جميع السلع والمواد المحررة، إلا أن هذا التوجه لا يقابله رقابة فاعلة ومؤثرة).

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن قرارات وزارة التجارة الداخلية بشكل عام لم تكن على المستوى المطلوب، لأن القرارات الصادرة لا تنعكس مباشرة على الأسواق.. فعندما يتم إصدار قرار لا يتم تنفيذه بسرعة على الأرض.

وأكد طالب أن وزارة التجارة الداخلية لا تعتبر الجهة الوحيدة المعنية بالأسواق والأسعار، بل هناك جهات أخرى معنية بذلك، ويصدر عنها قرارات مؤثرة على الأسواق والأسعار، لافتاً إلى أن وزارة التجارة تعتبر ذراعاً من الأذرع المؤثرة في الأسواق ضمن سياسة اقتصادية معينة تتبعها الحكومة.

ولفت طالب إلى أهمية أن تكون جميع الجهات المعنية بالسياسة الاقتصادية على طاولة واحدة من أجل اتخاذ القرارات المناسبة ومعالجتها.

تعليق

بعد عرض السابق يمكن القول إن وزارة التجارة الداخلية تعد وزارة محدثة في ظروف صعبة تمر على سورية، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن نجعل هذه الظروف حجة مستمرة للتقصير في العمل، فيجب أن تقابل الظروف الاستثنائية بوضع خطط استثنائية وبعمل استثنائي، لتلبية متطلبات المرحلة الراهنة، فوزارة التجارة الداخلية تعاني قلة عدد المراقبين وضعف الإمكانات. وبالطبع الحكومة على دراية بذلك، فلماذا لا تزود الوزارة بكوادر يتم تدريبها على العمل التمويني، ويتم اختبارها واختبار نزاهتها، وخاصة أن الكثير من الشركات العامة الصناعية وغيرها من المعامل تشهد توقفات بسبب الظروف الراهنة.. فبدلاً من إعطاء موظفيها رواتب دون عمل، يمكن توظيف العمال الذين توقفت معاملهم أو شركاتهم عن العمل في العمل الرقابي على الأسواق، كما يمكن توجيه بعض العمالة في المؤسسات الحكومية إلى العمل الرقابي، في حال لم يكن لها دور هام في تلك المؤسسات، وبذلك يمكن سد النقص في عدد المراقبين الذين لا يكفون لتغطية أسواق دمشق وحدها، مع تأكيد نزاهة المراقبين الذين سيتم تعيينهم، لأنه مهما صدرت قوانين صارمة لضبط الأسواق والأسعار، فلن يكتب لها النجاح في حال عدم توفير آليات تنفيذ لها ومتابعة دائمة على أرض الواقع. وبالنسبة لقضية التدخل الإيجابي يمكن القول إن مؤسسات التدخل الإيجابي بدأت تصبح ذراعاً اقتصادية قوية في السوق، وخاصة بعد توجه معظم صالات التدخل إلى توفير سلع ومواد بأسعار مخفضة عن أسعار السوق، وأرقام مبيعات تلك الصالات التي وصلت إلى نحو 3 مليارات ليرة خلال العام الماضي في دمشق وحدها يعتبر دليلاً على ذلك، كما أن تجربة مجمع الأمويين خلال فترة رمضان الماضي كانت دليلاً على نجاح تجربة تحويل هذه الصالات على مبدأ المولات، ولكن تبقى هناك نقطة هامة وهي أن توزع هذه الصالات يقتصر على المدن دون الأرياف، وهذا أمر خاطئ، لأن صالات التدخل الإيجابي موجهة إلى ذوي الدخل المحدود، وإلى الفقراء وهم كثر في الأرياف وليس في الأحياء الراقية في المدن، لذا يجب التوجه إلى افتتاح صالات لمؤسسات التدخل الإيجابي في الأرياف.

العدد 1194 - 15/04/2026