وسائل الحماية من بعض أشكال الاحتيال
شهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عدد جرائم التزوير والاحتيال التي تتعلق بنقل ملكيات عقارات أو مركبات.فقد استفاد مرتكبو هذه الجرائم من التطور التكنولوجي الذي أتاح إمكانية تزوير وثائق رسمية بسهولة كبيرة، وبدرجة عاليةٍ من الإتقان قد يصعب على المختصين معها اكتشافها.وقد لوحظ أن أكثر ماوقع التزوير عليه هي بيانات الملكية، والبطاقات الشخصية، وإخراجات القيد الفردية، وجوازات السفر، التي تمكّن مرتكبي هذه الجرائم، من ادعاء ملكية عقار أو مركبة ما، أو انتحال شخصية مالكها بما يمكّنهم من الاستيلاء على أموال من يوقعونه في شراكهم، بعد قيامهم ببيعها له. ومع الاعتراف بخطورة أمثال هؤلاء الأشخاص الذين يمتلكون درجة عالية من التنظيم والحرفية والتقنية،إلا أن ذلك لاينفي أخطاء كثيرة يرتكبها من يقعون في شراكهم عند تعاقدهم معهم لشراء هذه الأموال، نتيجة تقاعسهم عن اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية التي تحفظ حقوقهم، وتقيهم من أن يكونوا ضحايا لعمليات نصبهم.
ورأيت في هذا الصدد ضرورة التنبيه إلى بعض النقاط التي تمكّن من تفادي الكثير من هذه العمليات. وقد تبدو هذه الملاحظات من البديهيات بالنسبة للعاملين في المجال القانوني، إلا أنه، للأسف، أمام عدم الاهتمام بالثقافة القانونية في المجتمع، فإن الكثيرين من الناس يتجاوزونها أو لايعرفونها، فيقعون لاحقاً في مشكلات لاتسعف معها جميع الحلول القانونية، خاصةً إذا ماعرفنا أن من يقومون بارتكاب هذه الجرائم غالباً هم أشخاص يتمتعون بدرجةٍ عالية من الذكاء، بحيث لايتركون مايدل على شخصياتهم الحقيقية ليصار إلى ملاحقتهم، وحتى في حال التعرف إليهم فهم لايتركون تحت أيديهم أموالاً تتيح لضحيتهم استرجاع حقوقها وتعويض خسارتها. وبالتأكيد فإن الملاحظات التي سأذكرها يجب على من يريد أن يشتري عقاراً أو مركبةً أن يراعيها قبل إبرام العقد ودفع الأموال، وأهمها:
أولاً- أن يتأكد الشاري من هوية الشخص الذي يريد الشراء منه، وهو أمر بديهي جداً، والاطلاع اطلاعاً جيداً على الوثائق التي يبرزها له لإثبات شخصيته.
ثانياً- يجب الاطلاع على صحيفة العقار أو المركبة موضوع البيع، في الدوائر العقارية، ودوائر النقل مباشرةً، من قبل من يريد شراءها، أو من قبل شخص يثق فيه ثقةً مطلقةً، وأن لايكتفي الشاري بالاطلاع على البيانات التي يبرزها له البائع، وذلك نظراً للإمكانية الكبيرة لتزوير مثل هذه البيانات من قبل المجرمين المحترفين، بسهولة كبيرة، باستخدام تقنيات حديثة.
ثالثاً- في معرض الاطلاع على الصحيفة العقارية أو سجل المركبات، يجب التأكد بشكل جيد من اسم صاحب العقار أو المركبة، ومفصّل بياناته الشخصية، كاسم والدته، وتولده، بما يمنع حصول أي التباس بين شخص المالك الحقيقي وبين اسم أي شخص آخر يحاول انتحال شخصيته عن طريق استغلال التشابه في الأسماء.
رابعاً- يجب على الشاري أن يتأكد من صلة البائع بالمال المبيع، فإن كان هو المالك في القيود الرسمية، فليس ثمة مشكلة.أما إن لم يكن كذلك، فيجب التأكد من مستنده في إجراء عملية البيع. فإن كانت الملكية بحكم قضائي أرى ضرورة مراجعة الشاري للمحكمة مصدرة الحكم للتأكد من صدوره عنها، واكتسابه الدرجة القطعية، وعدم حصول أي تنازل عنه، والتأكد من وجود إشارة الدعوى الخاصة بهذا الحكم على صحيفة العقار أو المركبة، وكذلك الأمر إن كان مستنده وكالةً عدلية تجيز له البيع نيابةً عن المالك. فيتعين مراجعة الكاتب بالعدل الذي صدرت عنه الوكالة للتأكد من وجود الوكالة فعلاً في سجلاته، وأنها لاتزال سارية المفعول لم يقع عليها عزل.كما يجب التأكد في حال كانت الوكالة قابلة للعزل من عدم وفاة الموكل، لأن ذلك ينهي الوكالة حكماً.وإذا كان البائع وارثاً فمن الأفضل مراجعة المحكمة الشرعية لتدقيق وثيقة حصر الإرث التي يحملها، والتأكد من وفاة المالك فعلاً، وفيما إذا كان البائع أحد ورثته ومن مقدار حصته الإرثية.
خامساً – يجب التنبه جدياً إلى الإشارات التي يمكن أن تكون مدونة على صحيفة العقار أو المركبة، والتحري عنها من مصادرها، والتأكد من انتهاء الدعاوى التي وضعت لأجلها دون أن تترك أثراً على ملكية البائع، لأن القانون أعطى الأفضلية في التملك لصاحب الإشارة الأسبق.
سادساً- في حال الرغبة في شراء أراض، فمن الأفضل أن تجري الاستعانة بخبير مسّاح يستطيع المطابقة بين القيد العقاري (سند ملكية البائع) والأرض المراد شراؤها فعلاً، خشية أن يكون الاحتيال بدلالة الشاري على موقع أرض أخرى أفضل بكثير من الأرض التي يحمل بها سند الملكية.
سابعاً- لا أرى بأساً من أن يقوم الشاري بسؤال أهل الحي الذي يقع فيه العقار الذي يرغب بشرائه، وسؤال مختار المحلة عن مالكه، فقد لوحظ أن الكثير من عصابات التزوير تراقب وضع العقارات خاصةً المتروكة منها، تمهيداً لتزوير وثيقة لأحد أفرادها باسم مالكها مستغلةً عدم تردده إلى هذا العقار وعدم وجوده فيه، بحيث لايتمكن الشاري عند رؤيته للعقار أن يجد مالكه الحقيقي فيه، ولو بالمصادفة، فتتم عملية البيع بسهولة ودون أن يشعر الشاري بأي ريبة فيها.
وأخيراً، لابد من القول إن هذه النصائح قد تبدو من البديهيات كما أسلفت، لكن الواقع أثبت أن الكثير من الدعاوى المنظورة أمام المحاكم ناتجة عن عدم مراعاتها، وهذه النصائح تنطلق من مبدأ(درهم وقاية خير من قنطار علاج)، وأن المزورين والمحتالين غالباً مايعتمدون على خطأ ضحيتهم للإيقاع بها.وهم في هذا الصدد يقدمون لها المغريات التي تجعلها تطمع بالفوز بالصفقة معهم، ويخلقون لديها حالة ذهنية ونفسية بأنها إذا تأخرت في إبرام العقد معهم لتتخذ أياً من الإجراءات السالفة الذكر- التي تستغرق بطبيعة الحال وقتاً قد يكون ليس قليلاً- فإن الصفقة قد تفوتها ويجدون شارياً آخراً، أو يوهمونها بأنهم أغبياء ولايعرفون قيمة المال الذي يبيعونه بثمن بخس، فتخشى الضحية من تأخير إبرام العقد معهم، كي لايأتي من ينبههم إلى ذلك فيتراجعون عن إبرام العقد، وتفوتها المكاسب التي كانت تريد الحصول عليها.وهو مايعبر عنه بعض المحتالين بأنفسهم بقولهم(إن المحتال لايستطيع الاحتيال إلا على طماع).