عملية فساد واضحة في محطة وقود غير جاهزة بطرطوس

مما لاشك فيه أن الفساد هو ظاهرة يدفع الوطن والمواطن ضريبة كبيرة بسببها، بينما يجني الفائدة منها قلّة قليلة ممّن ارتضوا أن يبيعوا شرفهم وكرامتهم في سبيل الحصول على حفنة من الليرات السورية نتيجة ما يقومون به من عمليات احتيال واستغلال لمناصبهم أو علاقاتهم اللاأخلاقية مع بعض الجهات. وإذا كان المواطن قد أوصل بعض هؤلاء إلى مراكز القرار، فإن لسان حاله يقول: (إن عُدنا فإنّا ظالمون).

إن أي متابع لما حدث ويحدث على مدى سنوات الأزمة التي عصفت بسورية لا يحتاج إلى الكثير من العناء والجهد، ولا إلى فلسفة واستخدام حواسيب ذكية، كي يبرهن ويثبت حجم القذارة التي تعشّش في أذهان قلّة من الفاسدين الذين يتبجّحون بما كسبت أيديهم من مال عام، ويتغنّون بثرواتهم ويقيمون الولائم والمآدب التي يظنّون أنها كافية لتفعل فعلتها، انطلاقاً من المثل القائل (طعمي التم بتستحي العين).

اليوم وسورية تمرّ في أحلك اللحظات المفصلية في تاريخها، بعد أن تكالبت عليها كل القوى الشريرة في العالم، يأتي من جاء إلى كرسي المسؤولية، نتيجة لأصوات المواطنين المساكين الذين اختلطت عليهم الابتسامات الوطنية بتلك الثعلبية لبعض المرشحين، ليوغل في فساده ويحرم مئات العائلات من وقود التدفئة بعد أن أنشأ محطة للوقود، ولكن المفاجأة أن مخصصاتها كانت تباع هنا وهناك في مناطق ساخنة قد يصل سعر الليتر من المازوت فيها إلى 100 ليرة أو أكثر، وسعر ليتر البنزين إلى 200 ليرة أو أكثر أيضاً.

ما سنتحدث عنه في هذا الريبورتاج هو ما يتعلق بمحطة أمواج للمحروقات التي أنشأها المدعو (ع.ح) الذي يشغل منصب نائب المحافظ بطرطوس، والذي استجر من مؤسسة محروقات أكثر من 160 ألف ليتر من المازوت ونحو 20 ألف ليتر من البنزين، مخصصات للمحطة المذكورة، ولكن المفاجأة كانت أن مضخّات المحطة غير جاهزة والمحطة غير قادرة على تعبئة ليتر واحد سواء أكان من مادة المازوت أو البنزين، فأين ذهبت تلك الكميات؟ ولحساب من؟! ومن هم المشتركون والمستفيدون والمسهّلون لتلك العمليات التي تقدّر قيمتها بملايين الليرات السورية؟ وكيف قامت مؤسسة المحروقات بذلك دون أن تقوم بعمليات الكشف والتحقق، قبل التورّط بتلك الصفقات؟!

بعد أن تعددت الأقاويل والروايات عن هذه الحالة، وبعد أن نشرت الزميلة تشرين مقالة عنها جاء فيها (أن السيد (ع.ح) قام بترخيص محطة للوقود وقام فعلاً بإنشاء المحطة، وقامت سادكوب فرع محروقات طرطوس بتزويد المحطة بالمازوت والبنزين عندما اتخذت قرار التعامل مع المحطة بتاريخ 22/12/2013 وتم تخصيصه بثمانية طلبات مازوت وطلب واحد بالبنزين علماً أن كمية الطلب الواحد هي 20 ألف ليتر).

طبعاً قرار التعامل مع المحطة المذكورة جاء بعد أن قامت لجنة من محروقات طرطوس بالتأكد من جاهزية المحطة، فقد وجدوا بالفعل المحطة والمظلة التي تقي المضخات والخزانات، وجاء في التقرير أن الأرضية مزفتة، ولكنها في حقيقة الأمر مصبوبة بالبيتون الذي تم توزيعه مجاناً من الأسمنت المصادرة، وكانت تعليمات السيد المحافظ أن يتم صرفه لصب الساحات في المدارس أو الطرق الواصلة إلى المبرات أو إلى مداخل بيوت ذوي الشهداء، أو للحفر والجور في الطرقات والأرصفة أيضاً (يومذاك اتصلت مع السيد المحافظ وكان جوابه ماذكرته سابقاً).

ولأن المحطات التي يتم التأكد من أنها جاهزة للخدمة لا بدّ من تجريبها ثم معايرتها وترصيصها من قبل مديرية التموين وحماية المستهلك، فقد قامت محروقات طرطوس بمخاطبة مديرية حماية المستهلك في طرطوس تخطرها في الكتاب بأن المحطة المذكورة قد دخلت الخدمة وتم تزويدها بعدّة طلبات من المازوت والبنزين. وهنا نتساءل: ما الكمية التي يتم تجريب المحطة بها؟ هل هي كمية قليلة بحدود 10- 15 ألف ليتر أو أنها أكثر من مئة ألف ليتر من المازوت و20 ألف ليتر من البنزين؟!

الشعرة التي قصمت ظهر التقرير الذي أعدته لجنة محروقات طرطوس كانت من لجنة حماية المستهلك التي قامت بالكشف على المحطة بتاريخ 29/1/ 2014 وجاء في تقريرها أن اللجنة لم تقم بمعايرة المضخات وترصيصها لأن المضخات غير جاهزة .

وهنا يجب طرح العديد من إشارات الاستفهام والتعجب عمّا جاء في تقرير محروقات طرطوس، وقد أسرّ لي أحدهم بأن المضخات يمكن أن يتم تركيبها ونزعها خلال خمس دقائق، وأضاف (والكلام مسجّل بصوته لدي): قد يكون ذلك قد حدث بالفعل، ولكن بعد قيامنا بالكشف!

عندما قصدنا مديرية محروقات طرطوس للاجتماع بالمدير السيد إبراهيم إسماعيل (طبعاً كنا قد اتصلنا به قبل ثلاثة أيام ) للاطلاع على موضوع المحطة، وكانت المفاجأة أن السيد إبراهيم كان في بانياس، وعندما اتصلنا به من مقسم المديرية رفض أن يعطينا أي معلومة، بذريعة أن هناك تعليمات من المدير العام تمنعه من ذلك، وطالبنا بالحصول على موافقة المدير العام، فهل بهذه الذهنيات والعقليات يمكننا ان نعمل كصحافة وكسلطة رابعة؟!

بهذا الخصوص تبين لنا أن المديرية قامت بتزويد المحطة بالمازوت والبنزين بتاريخ 9/1/2014 وأنجزت طلبات المحطة (7 طلبات) كاملة بتاريخ 23/1/2014 أي أن المحطة حصلت على أكثر من 160 ألف ليتر من المازوت (وكان يجب أن تكون الكمية 140 ألف ليتر على اعتبار أن كمية الطلب الواحد هي 20 ألف ليتر) و20 ألف ليتر من البنزين، في خمسة عشر يوماً علماً أنه كان من المفترض أن تتم العملية بـ 8 طلبات لأن كمية الطلب الواحد 20 ألف ليتراً كما ذكرنا فكيف تم ذلك؟! وإذا أخذنا بالحسبان المسافة من الدريكيش حتى دوير رسلان، التي تقدّر بنحو 18 كم، نجد أن هذه المسافة القصيرة نسبياً تتوزع عليها خمس محطات للوقود علماً أنه في مدينة الدريكيش وحدها يوجد خمس محطات أيضاً، وإذا كانوا في محروقات طرطوس يقومون بتوزيع الطلبات بحيث لا يتم إعطاء محطتين متجاورتين في الوقت نفسه (كما بين لي الموظف المذكور سابقاً) فكيف حصلت محطة أمواج على 7 طلبات في خمسة عشر يوماً؟ وكيف تم تجاوز كمية الطلب الواحد المقدرة بـ20 ألف ليتر؟! ومن يتحمّل المسؤولية؟!

وفي الموضوع نفسه فقد ذكرت صحيفة (تشرين) في مقالتها المذكورة سابقاً أنه (بتاريخ 29/11/2012 سطر مخفر الشيخ سعد التابع لمديرية منطقة طرطوس الضبط 1129 حول قيام المدعو (م.م) وصاحب محطة فنزويلا للمحروقات بالتصرف بكميات كبيرة من المخزون الاحتياطي لمادة المازوت، وذلك بناء على شكوى مقدمة من أحد المواطنين الذين رفض صاحب المحطة تعبئة سيارته بالمازوت، ما اضطره لتقديم شكوى إلى مديرية حماية المستهلك التي أوفدت دورية قامت بقياس الكميات الموجودة في الخزان وسجلت نقصاً كبيراً فيه.. وتقول الدورية إن هناك صهريجين محملين بأكثر من 18 ألف ليتر في حرم المحطة، وهناك صهريج آخر سعة 23 ألف ليتر يقوم بالتفريغ في الخزان الاحتياطي – يضيف كاتب المقال – لسنا هنا بصدد الكميات المسحوبة.. لكن بإفادة صاحب المحطة الذي قال في جزء منها: إنني قمت بتعبئة كميات من الخزان الاحتياطي بناء على اتصال هاتفي من قبل مدير محروقات طرطوس المهندس ( أ . أ) وكذلك اتصال آخر من ( ع . ح) نائب محافظ طرطوس من أجل توزيع المازوت للمواطنين في منطقة الصفصافة.. وللعلم فإن منطقة الصفصافة تبعد نحو 35 كم عن محطة فنزويلا، وهناك عشرات المحطات المنتشرة على أوتستراد طرطوس حمص، وهي أقرب بكثير إلى الصفصافة من محطة فنزويلا؟!

في مديرية التموين وحماية المستهلك اطلعت شخصياً على تصريح خطي يفيد بأن قريب المدعو (ع.ح) قد قام ببيع الكميات في القرى المحيطة بقرية بستان الصوج ( قرية ع.ح) وإذا كنت أسكن في قرية تبعد عن المحطة نحو 1 كم ولم أسمع من أحد أنه قام بتعبئة ليتر واحد منها بل على العكس لقد قمت شخصياً بتعبئة 40 ليتراً من إحدى كازيات الدريكيش، ويمكن بجولة على القرى التي ذكروا أنهم قاموا بتعبئة المازوت لبيوتها أن يتم التأكّد من صحّة مزاعمهم أو العكس..!

إذا كانت الديمقراطية مطلباً حقيقياً للمواطن، وإذا كانت تجربتنا الماضية في انتخاب مجلس الشعب أو مجالس المحافظات والبلدات قد أثبتت أن بعض المواطنين لا يهتمون كثيراً بمصير أصواتهم، أو تتحكّم بهم أهواء ومصالح ضيقة متعددة، فإن من واجبهم في المرحلة القادمة أن يدركوا خطورة أن يصل إلى مراكز القرار والمسؤولية، أصحابُ النفوس الضعيفة، الذين لا همّ لهم سوى مراكمة ثرواتهم وممارسة التسلّط الوظيفي، وعلى الدولة ألا تتلكأ دقيقة واحدة في سحب الثقة من كل من يثبت تورّطه بالفساد واستغلال المنصب الوظيفي وسرقة المال العام ليكون عبرة لمن سيأتي بعده، وإلاّ فعلينا أن ننتظر عشرات القرون دون أن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام في محاربة الفساد والمفسدين..!

العدد 1140 - 22/01/2025