صراع أم تكامل بين وسائل القراءة؟
مع تطور المجتمعات الإنسانية وبحثها عن الوسائل لمجابهة الأخطار وتأمين متطلبات الحياة ومعرفة أسرار الكون، تأسست قاعدة معرفية وعلمية تناقلت عبر الأجيال شفاهةً، ثم كتابة، فأصبح التدوين الوسيلة لنقل ونشر العلم والمعرفة والتراث الفكري والحضاري، وهذا ساهم في انتشار الكتب والمجلات والمؤلفات، فمعرفة الإنسان للكتابة وأهميتها ساهم في تطوير حياة الأفراد والمجتمع ورقيّها، لما حققه من نماء اجتماعي واقتصادي،
وبدأت المجتمعات الإنسانية تشهد تطورات تقنية واقتصادية وثقافية سريعة مع انتشار وسائل الاتصال والإعلام المرئي والمسموع الذي ألغى الحواجز بين الأمم والثقافات، حتى أتت ثورة التكنولوجيا التي فرضت تحولات كبرى في الحياة الثقافية في نقل المعرفة والمعلومة وسهولة الحصول عليها، وأيضاً فرضت تحولات في نظام الحياة بشكل عام من ملبس وسكن وطعام وتمتع بالوقت.
ونظرا لأهمية العلم في نقل الثقافة ودورها في تغير حياة الإنسان فقد أولت الدولة الاهتمام والرعاية اللازمة لمنظومة التعليم، فقد كفل الدستور السوري في المادة 29 حق التعليم لكل مواطن، وفي المادة 25 جعل التعليم ركناً أساسياً لبناء المجتمع، وأيضا كفل الدستور في المادة 43 حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام واستقلاليتها.
ومع انتشار وسائل الاتصال وتزاحم وسائل المعرفة التكنولوجية واستخدام شبكة الإنترنت، تحولت وسائل التعليم والصحافة والطباعة الورقية إلى كتب ومجلات وصحف إلكترونية، فهذا أدى إلى اتساع نطاق النشر الإلكتروني، فأصبح بالإمكان نشر ما لا يمكن نشره في الكتاب الورقي، دون حواجز وتعقيدات تقليدية ودون رقابة على نوعية ما ينشر. وتجنباً لفوضى النشر على صفحات الإنترنت كان لابد من نصوص قانونية لحماية الملكية الفكرية وحماية الإبداع الفكري والنشر الإلكتروني، وعقد اتفاقيات دولية لتنظيم العلاقة بين الناشر والمؤلف، وهذا ما أدى إلى صراع فكري وأخلاقي لدى الشباب بين ما نشأ عليه، وثقافة العولمة والغزو الفكري، فبإمكانهم الوصول بحرية إلى ما يريدون من معارف وأفكار بأقل جهد ووقت وتوافر الكم الهائل من المعلومات، فقد يسّر الإنترنت الدخول إلى مواقع متعددة من جامعات ومكتبات وصحف ودراسات وتحليلات، وأن يحصل على شهادة من أي جامعة أو كلية وهو وراء حاسوبه.
فأصبح الإنترنت وسيلة القراءة للطالب والباحث والقارئ، وقد ساهم في انتشار الكتاب الورقي على صفحاته، وما دامت الغاية هي القراءة فقد أصبحت العلاقة بين المنشورات الإلكترونية والورقية علاقة تكاملية، إذ تحفظ الكتب والإبداعات الفكرية في أقراص مدمجة، وهذا سهّل التعرف على الكتب والترويج لها والحصول عليها، فكل منهما يخدم الآخر ويزيد من توفيره وانتشاره والإقبال عليه، والرجوع إلى أي منهما له ظروفه وأسبابه الخاصة.
وقد سبب التقدم التقني في وسائل الإعلام والمشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية إضافة إلى الحروب عزوفاً عن الكتابة والقراءة، وحتى لا يضيع الشباب البوصلة العلمية فإن على الدولة بكل مؤسساتها المعنية بالعلم والمعرفة وأهمية الكتاب أن تؤدي دوراً أساسياً، تأكيداً لما نص عليه الدستور في المادة 20 من رعاية النشء والشباب وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم، أصبح واجباً على الدولة بكل مؤسساتها التعليمية والتربوية والثقافية والمرافق الإعلامية الحفاظ على نشر الثقافة والفكر والأدب، بالتشجيع على القراءة واقتناء الكتاب الورقي، وبإقامة معارض للكتاب في الأماكن العامة والمدارس والأحياء والمراكز الثقافية ودعم دور النشر وتشجيع المواطنين على إنشاء مكتبات منزلية.
فالكتاب هو الوسيلة للارتقاء بالوعي المعرفي والسلوك الاجتماعي، وتحرر الإنسان من القيود التي تعيق نهضته، ويساهم في احترام الاختلاف والتعددية ويتجاوز الإنسان كل المعوقات والتحديات، لبناء حياة أفضل قائمة على الرقي والرفاه بدعم صناعة الكتاب والاهتمام بكتب الأطفال لأن الدافع للقراءة يبدأ من الطفولة وفي المدرسة، فالمعرفة سلطة لا تقهر.