الحياة وخميرتها

لا تنبت حبة القمح، ولا تكبر شتلة الزيتون، لا يزهر الكرز والدراق إلا بعد أن تترك تلك النباتات شيئاً من جسدها داخل عتمة التراب، قطعة من لحمها ودمها تتركه معلقاً وملتصقاً بالمكان الذي خرجت منه وإليه ستعود.

والعش الصغير، الذي حمى البيض وحملها لا شك من عودة فراخه إليه بعد أن يكبروا، ليعيدوا ويفعلوا ما فعله آباؤهم وأجدادهم.

وكأن قدر الحياة أن تولد في الظلام، وأن تبدأ رحلتها من العتمة، ومن ثم تعود إليها بعد حين..

إن الحب الجميل، والأفكار الرائعة، والمنحوتات الثمينة، والقصائد الخالدة كانت ذات يوم، أو ذات لحظة ساكنة ومسجونة داخل ظلمة الدماغ، وبين جدران الرأس، والموهبة الحقيقية جاءت وحررتها من عتمتها إلى نور الفجر وشمس الصباح.

كل حياة تخرج إلى الضوء، لا بد من أن يقابلها خروج آخر نحو العتمة.

ألا نرى الأشجار العملاقة كيف تكبر وتنمو نحو السماء؟ وبالمقابل هنالك نمو واستطالة أخرى لجذورها في أعماق الأرض، نمو لا نراه، لكننا ندركه ونحسه.

كأن الجسد لا يرضيه أن يترك الأرض التي وقف عليها من دون أن يبقي له ذكرى فيها، ذكرى أو أمانه أو وشماً ما يذكّر العابرين أنه كان هنا ذات يوم، وربما سيعود إلى المكان ذاته ذات يوم أيضاً.

لا يظهر بريق النجوم إلا إذا كفّن الليل الفضاء، ولا يتوهج الجمر إلا من شدة السواد الذي يحيط به، ولا يختمر العجين إلا بعد دفنه داخل العتمة، ولا تخرج المياه العذبة إلا من ينابيعها العميقة، ولا تستمر الأشجار في عطائها وبقاء أغصانها وجذوعها إلا ببقاء جذورها متحدة بظلمة الطين وعتمة التراب.

وهل تستمر أحشاء الإنسان من كبد وقلب وأمعاء وشرايين حية وصامدة لو لم تبقَ مخفية داخل عتمة الجسد وسواده؟!

إن العتمة جدة النور، مثلما الحصرم جد العنب، ومثلما التراب منزل البذور، والليل جناح القمر، وثروات الأرض من ألماس وذهب وفحم وفضة ونفط، ما كانت لتوجد وتتكون لو لم تكن العتمة رداؤها، والصبر طعامها، وأحشاء الأرض حارسها، وكأن الظلام عجينة الحياة وخميرتها، وجذر الأحياء والكائنات، فمن دونه لا يتكون جنين، ولا يغلي بركان، ولا تزهر وردة.

العدد 1194 - 15/04/2026