يوميات ساخنة

تناقصت درجات الحرارة رغم ارتفاع حرارة القذائف. وغسل المطر شوارع العاصمة، وبدا الفضاء أكثر نقاء، والمواطن أكثر معاناة وقهراً. ويدرك المواطن أن الوطن منذ عشرين شهراً يعيش أزمة معقدة تتفاقم يوماً بعد يوم.

وتحت عنوان (يوميات ساخنة)كتب صديقي الذي يهتم بمراقبة ورصد حياته وحياة الآخرين يومياته في دفتر صغير يدسه في جيبه. وحينما يرى منظراً مثيراً أو حديثاً غريباً أو جديداً، لا يثير السخرية بقدر ما يثير الحزن والألم بين رجلين أو امرأتين، يخرج الدفتر ويسجل ملاحظاته.

أقنعني صديقي بأنه سيصبح من أشهر كُتّاب القصة القصيرة جداً، بعد أن تنتهي الأزمة وينتصر الوطن على أعدائه ويعود المواطنون إلى حياتهم الطبيعية وبأفضل حال. وهذا ما غرس نبتة فرح في قلبي ونظَّفه من النباتات الغريبة المؤذية.

قال أبو الهول: هل تعلم أن أسطوانة الغاز بسبعة آلاف ليرة سورية فقط. أي أن هذا المبلغ أكثر من الحد الأدنى للأجر الشهري عندما كان ستة آلاف ليرة. وأن ربطة الخبز بمئتين وخمسين ليرة في بعض المحافظات. وفي دمشق اشتريتها البارحة بخمسين ليرة وكيلو السكر بتسعين ليرة!

وفي الصفحة الثانية قرأ أبو الهول حكايات وقصصاً لم تحدث في أقسى الأزمات والحروب في تاريخ سورية، وقال، إن سكان العاصمة من عمال وموظفين وزائرين وطلاب مدارس وجامعات، استخدموا السيارات، دون الحاجة إلى المازوت والبنزين. وكان الرقم 11 يتوزع في الشوارع الرئيسة والفرعية، وكأن هناك زحفاً بشرياً، لكنه زحف صامت بلا ضجيج. وهذه الألوف تتجدد طاقاتها تلقائياً عن طريق العضلات. وكلما مارس المواطن رياضة الزفير والشهيق انتفخت عضلات ساقيه أكثر، وأصبح أكثر قدرة على الاستمرار والسير دون أن يتعرض لأي سؤال من أية جهة!

ومن الغرائبية في ظل أزمة تطحن المواطن، أن حياته تحولت إلى العجائبية.. وعرف أن البشر في طبيعتهم استبداديون، ونبت الاستغلال في عروقهم. وكي لا نعمم هذه الظاهرة على أمة حزينة مشرّدة، هناك من يروي زرعه بدموعه وعرقه وجهده.. ويسعى إلى إنقاذ الغريق من حفرة الفقر والعوز وتقديم المساعدة وإن كانت زهيدة.

سلَّمني أبو الهول يومياته الخالية من الأسرار الشخصية. قال وهو يشعل سيجارته العشرين: لقد تعبت من القراءة، سأترك هذه اليوميات معك إلى الغد، فاقرأ منها ما شئت. وإذا أضفت إليها حكايات جديدة أكون لك من الشاكرين. وفي تلك الليلة سهرت مع يوميات صديقي، التي فتحت ذاكرتي على أمور تحدث كل يوم كنت أجهل بعضها، ومنها: جنون إيجار البيوت في قلب المدينة والأطراف. وإيجار غرفتين بثلاثين ألف ليرة، وثلاث غرف في حي شعبي بخمسين ألف ليرة، وهكذا.. وأضفت إلى يوميات صديقي بعد أن ألمَّ بي الحزن، وارتفع ضغطي وأصبت بدوخة وغثيان، ما رأيته وأنا أقطع المسافة سيراً على قدميّ الواهنتين من الحمراء إلى باب شرقي، كثرة الشحاذين على الأرصفة(زوجان وأولادهما الثلاثة. نساء يطلبن عشر ليرات.. أطفال.. صغار وكبار.. وغيرهم).

ختمت نهاري وأفكاري تضرب بشدة شاطئ الذاكرة، وأنا بين القلق على مصير الوطن، والبحث عن وسائل التدفئة التي غدت حلماً أسود يعصف بنا.. ننام والعتمة تغطينا بسوادها.. فلا كهرباء ولا غاز ولا مازوت.. ولا خبز إلا بقطع الأنفاس والوقوف ساعات على الأفران، مع التوقيع بالاسم الثلاثي والتمنيات، ألاَّ تغيب الشمس وأن تظل حياتنا في نهار دائم..!

العدد 1194 - 15/04/2026