إنتاجها انخفض أكثر من النصف

الورش الصناعية بحاجة إلى ورش عمل حكومية تنفيذية لإنقاذها

توجهت الحكومات المتعاقبة في الخطط الخمسية السابقة إلى دعم بعض القطاعات السريعة الربحية وذات المردود السريع ولكن غير الاستراتيجي على الاقتصاد الوطني. وسهَّلت إجراءاتها تجاهها، مثل قطاع النقل والقطاع السياحي والقطاع العقاري، وكان ذلك واضحاً في عدد المشاريع التي نُفذت أو التي شُمّلت في التقارير الصادرة عن هيئة الاستثمار السورية. فعند مراجعة التقارير الصادرة عن الهيئة منذ تأسيسها إلى وقتنا الحالي، نجد أن المشاريع المنفذة على الأرض تتعلق بالقطاعات المذكورة سابقاً. ولا ننكر أن القطاع الصناعي كان دائماً يحوز على العدد الأكبر في التقارير، إلا أن عدده دائماً يكون ضمن المشاريع المشملة أي غير المنفذة.

حالياً وفي ظل الظروف الراهنة التي تمر على وطننا الغالي، وبعد فرض العقوبات الاقتصادية الجائرة على اقتصادنا الوطني، وبعد هجرة الكثير من الصناعات إلى خارج القطر، سواء الصناعات المحلية أو الصناعات ذات الرأسمال الأجنبي والعربي، فإن وقود العجلة الاقتصادية حالياً بات المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تأخذ أشكالاً كثيرة في اقتصادنا، ومنها الورش بشتى أشكال نشاطها الصناعي.

وتعدّ الورش المنتشرة في المحافظات السورية إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، كما أنها تضم تحت جناحها عدداً كبيراً من العمالة السورية، فدورها ليس اقتصادياً فقط بل اجتماعياً أيضاً، إلا أن هذه الركيزة للأسف لم تحظَ باهتمام حكومي كافٍ.

وخلّفت الأحداث الاستثنائية الحالية الكثير من الآثار السلبية على مختلف القطاعات في مجتمعنا، ومنها قطاع الورش. وهنا نسأل: كيف هو حال هذا القطاع في ظل الظروف الراهنة؟ وما هي الصعوبات التي تواجهه وأهم مطالبه؟

ستكون الإجابة عن الأسئلة السابقة من أرض الواقع، إذ أجرت (النور) جولة على عدد من الورش في ريف دمشق، واستطاعت حصر أهم الصعوبات، وأهم مطالب هذه الورش، بعد لقائها بالعديد من أصحابها والعاملين فيها.

انخفاض الطلب المحلي والخارجي وأسباب أخرى أدت إلى إغلاق ورشات كثيرة..

توجهنا إلى الورش المتخصصة بتصنيع الملابس، ووفق أقوال بعض أصحابها فإن هذا القطاع يعاني حالياً اضطرابات مفاجئة طرأت على أسعار المواد الأولية، وخاصة ما يتعلق بالمواد القطنية والبولستر والخيوط. فخلال العام الماضي طرأ ارتفاع على الأسعار، ولكن خلال فترات متقطعة وطويلة نسبياً، أي كل ستة أشهر أو أقل بقليل. أما حالياً فإن أسعار المواد الأولية تختلف من يوم إلى آخر. واختلافها بالطبع للارتفاع لا للانخفاض، مما أثر كثيراً على العملية الإنتاجية من حيث التكلفة ومن حيث كمية الإنتاج. وسأل البعض الآخر عن الأسباب التي تجعل من أسعار القطن تثب بهذه السرعة بين يوم وآخر، على الرغم من أنه ليس مستورداً؟

أما بالنسبة للعمالة فقد انخفضت إلى أكثر من النصف في بعض الورش، وهناك من أغلق أبوابه. وتوجد ورش أعلنت إفلاسها وسرحت عمالها المؤقتين. فمثلاً يوجد ورشة تضم  23 عاملاً، منهم عمال إنتاج وقسم آخر إداريون ومشرفون. ولكن نتيجة العوامل السابقة إضافة إلى الأوضاع الاستثنائية التي تمر على القطر فإن عدد العمال انخفض كثيراً عما كان سابقاً. فقد كان عددهم يتجاوز 40 عاملاً وعاملة عدا الإداريين والقائمين على عمليات الجرد والحسابات.

وذكر البعض أن أسباب إغلاق الكثير من الورش أيضاً هو انخفاض الطلب على البضائع انخفاضاً كبيراً تجاوز 50%. فثمة ورش كانت تصدر إنتاجها إلى الأسواق الخارجية والبلدان المجاورة، مثل الأردن وتركيا. وكان اعتمادها على السوق المحلية لا يشكل سوى نسبة 20%، أي أن 80% من إنتاجها هو للتصدير، مشيرين إلى أنه نتيجة توتر بعض المناطق وغياب عنصر الأمان على الطرقات وغياب التجار القادمين من الدول المجاورة أصبح الطلب أقل، وبالتالي أصبح الإنتاج أقل، وهذا أثَّر على دخل الورشة مما أثر على العمالة، فاضطرّ العديد من الورشات إلى الإغلاق أو تسريح بعض العمال للاستمرار بالعمل والاحتفاظ بالعمالة الضرورية فقط.

وطلب العديد من أصحاب هذه الورش أن تقوم الحكومة بالوقوف على الصعوبات التي تواجه عملهم، وأن تعمل على دعمهم من خلال منحهم قروضاً دون فوائد، وتشكيل فريق حكومي لتنظيم هذا القطاع الذي يعمل 50% منه في الظلام دون تراخيص، وإيجاد أسواق خارجية لهذه الورش وتنظيم معارض خارجية لتحريك نشاطها.

وتوجهنا إلى نشاط آخر لهذه الورش، إلى ورش النجارة. وقد حصرت معاناة هذه الورش بصعوبة تأمين المواد الأولية وارتفاع أسعارها، وارتفاع أسعار النقل وغياب التأمين على البضائع. وفي حال تم  التأمين عليها فإن سعر تأمين مخاطر الشغب السياسي ارتفع أيضاً.

ومن الأسباب أيضاً قلة طلب المواطن العادي للأثاث المنزلي أو غيره من السلع، بسبب ضعف قدرته الشرائية، وغلاء الأسعار في الأسواق، إضافة إلى صعوبة وصول الأيدي العاملة إلى أماكن عملهم وارتفاع تكاليف الإنتاج، وغياب الدعم الحكومي لهذه الورش، وعدم وجود جهة مشرفة عليها ومرجعية لها تكون قادرة على حل مشكلاتها، إذ إن معظم الورش لا تملك تراخيص صناعية.

تعليق: إيجاد الصيغة الحكومية المناسبة لدعم قطاع الورش..

إذاً قطاع الورش والمعامل الصغيرة يواجه صعوبات جمة كغيره من القطاعات الاقتصادية، لكنه يقع في صف القطاع الصناعي والزراعي، باعتباره من أهم القطاعات الرافدة  للاقتصاد الوطني، وخاصة وقت الأزمات. لذا يجب على الجهات الحكومية، وخاصة وزارة الصناعة ووزارة الإدارة المحلية، أن تجد الصيغة المناسبة لدعم هذا القطاع سواء من خلال إحداث صندوق خاص به، أو من خلال تنظيمه وضمه إلى اقتصاد النور. مع التركيز على دعم المنتج وإيجاد أسواق خارجية جديدة لمنتجات هذه الورش، وتسهيل عمليات إقراضه.

والجدير ذكره أن اتحاد غرف الصناعة السورية كان قد أعد كتاباً إلى الحكومة طلب فيه جملة من المقترحات، منها إحداث صناديق للتنمية الصناعية تمولها المصارف العامة والخاصة، وتشرف الدولة على إدارتها، موجهة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تملك المعايير المصرفية اللازمة التي تخولها الحصول على تسهيلات مصرفية، وتستخدم هذه الصناديق أموالها في الدعم الفني وفي شراء المعدات وفي مصاريف الابتكار وفي نفقات دخول أسواق جديدة وغير ذلك.

وبالطبع هذا التوجه ضروري في الوقت الحالي، لنشل مؤسسات القطاع الصناعي على اختلاف أحجامها ونشاطاتها من الخسائر التي وقعت فيها.

العدد 1194 - 15/04/2026