الوجه والمرآة

يتسع البحر لكل المياه، القادمة إليه من سفوح الجبال والهضاب البعيدة، وتحتضن الأرض كل الغابات. والقبور لا تضيق بكل من يموت، والسماء تبسط رزقتها لتضم القمر والنجوم، والتراب لا تزعجه البذور إذا كانت سليمة، خالية من النخر والسوس.

ولا تتذمر الأغصان من الزهور التي تنبت فوقها، ولا تتعب من حمل الثمار أو أعشاش الطيور التي بنيت عليها. ولا تذبل الورود إذا ازداد عطرها، ولا غيوم السماء تتأثر أو تتلوث بأجنحة الغربان السود، ولا الكتب الجميلة تتعب حروفها من العيون التي تقرؤها، ولا الأنهار العظيمة ترفض دخول السواقي في مياهها، ولا قمم الجبال ينقص من شموخها كثرة اللصوص والفاسدين القابعين فوق سفوحها أو الساكنين داخل كهوفها، ولا الثلوج يتغير اسمها إذا هطلت فوق البرك ورؤوس الضفادع، ولا حيتان المحيط تقل هيبتها إذا سبح إلى جانبها بعض التماسيح والأفاعي السامة، أو إذا رافقتها أسراب السمك الصغير في رحلتها نحو أعماق البحار.

وتأخذ العواصف من الحصى والغبار والرمال ما يعينها على الهبوب وقلع اليابس والجاف، مثلما يعين الريح سطح المحيط على تحريك أمواجه وحمل السفن إلى الشواطئ البعيدة.

وقد تساعد الأشواك المحيطة بالوردة على حمايتها من بعض الأفواه الجائعة، التي لا تميز بين الشم والأكل، وبين العسل والخل.

ولا نلام على ما نأكل، بل على ما نقول، ولا نسأل عن نوايانا، بل عن أفعالنا الواضحة، ولا نزداد غنى بما نملك، بل بما نستطيع الاستغناء عنه دون مقابل أو دون ندم.

وأبداً لم تكن النار يوماً تهتم بكثرة حقول القش من حولها، ولا الجذر العميق يعيقه بعض الديدان والخنافس في بحثه وامتداده في أعماق الأرض، ولا تقل قيمة الجمر إذا كان مصدره من سواد، كما أن الوردة لا تأخذ طباع الوحل الذي زرعت فيه، ولا يتأثر لونها أو عطرها وإن كان بعض جيرانها من الخنازير والعقارب والضباع.

وفي الأرض نفسها ينمو الحنظل ويزهر اللوز والياسمين، جلدها يمشي الخفيف والثقيل. والذئاب والأرانب، والجراء والسباع، والجبان والشجاع.

والأرض ذاتها ألا تحمل أطناناً من لحم البشر وعظامهم؟ وفي نهاية المطاف أليست هي أيضاً مسؤولة عن إخفاء روائحهم حين يرحلون؟

ولا يزعج البحار الواسعة أن تدخلها المياه الموحلة، ولا يتغير اسمها إذا سبح في مياهها أجساد ذات نوايا سيئة وأهداف دنيئة، إنها كالمرايا، يمر فوق سطحها الوجه الجميل والقبيح، وتمسك بها أصابع خشنة ورقيقة، وتبقى هي هي.. لا تتغير أو تتبدل، تبقى مرايا تعكس ولا ينعكس على داخلها أي وجه أو أي شعور.

ومَن قال إن البحار تنام؟ أو تهدأ أمواجها الصاخبة؟ ومن قال إنها تمنع مياهها عن سحب السماء، وأسماكها عن الصقور والنوارس؟! إنها كشمسنا العظيمة، تعطي وتمنح دون مقابل، ولا تبخل أبداً بضوئها على عميان البصر والبصيرة.

هكذا هو الحكيم العاقل، والفيلسوف النبيه، والمفكر المبدع، لا يزعجه البعوض والذباب، أو تضايقه خفافيش الظلام، (إنه كأي قوس قزح، فكلما تجمعت حوله الغيوم، وتكاثرت فوقه الكوارث والرعود ازداد وضوحه، وتألقت ألوانه..).

العدد 1195 - 23/04/2026