فتياتنا.. بين صمت قاتل وبوح فاضح!

 يُعتبر التحرّش اللفظي فعلاً منافياً للأخلاق، بعيداً كلّ البعد عن الذوق واللباقة، وهو مرفوضٌ دينياً وأخلاقياً، إذ ينطوي على التفوّه بعبارات وكلمات خارجة عن الأدب. وتُعتبر النساء أكثر الفئات استهدافاً بسبب ضعفهن، فهو يحمل في طيّاته إهانة للمرأة وكرامتها وحريتها، إضافة إلى أنه يخدش حياءها وأنوثتها.

وقد انتشرت هذه الظاهرة في مجتمعاتنا انتشاراً كبيراً، وأضحت كالنار في الهشيم، وتعددت مظاهرها وأساليبها، كالنّظر بنظرات غير بريئة إلى إحدى الفتيات، أو التوجّه إليها بعبارات(المعاكسة) و(المغازلة) أو محاولة أخذ رقم هاتفها بالقوّة، كل ذلك يحدث في وضح النهار وأمام الناس في الشوارع، وأمام المدارس والجامعات، وفي الأسواق والأماكن العامة، ولا يخفى أنّه مع التطور العلمي والتكنولوجي، ومع انتشار الهواتف الذكية وحسابات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والواتس اب، فقد تفشّت هذه الظاهرة وتنوّعت أساليبها.

ولابدّ لفهم هذه المشكلة جيداً، من الوقوف على العوامل التي تساعد على نشوئها، فالعوامل الاقتصادية التي يتعرّض لها الشّباب، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، حيث معظمهم عاطلٌ عن العمل ويعاني حالة من عدم الاستقرار المادي والنفسي والاجتماعي، ولذلك فهم يبحثون عن أيّ شيء قد يجدون فيه متعة وتسلية، ولكن ليس هذا السبب الوحيد في انتشار مثل هذه الظاهرة السلبية، إذ تؤدي العوامل الثقافية والتربوية دوراً هامّاً فيها، فنشوء الطفل في أسرة منهارة أخلاقياً وتربوياً، تجعله تائهاً حائراً، عديم الثقة بنفسه وبالآخرين، فيجد في هذا الفعل المُشين اجتماعياً، قدرة على الاستقواء والسيطرة على الطرف الأضعف.

ولا ننسى طبعاً أن نظرة المجتمع إلى المرأة، والتمييز بينها وبين الرجل قد جعلت الأخير يجد فيها سلعة خُلقت لإمتاعه وتلبية احتياجاته فقط، دون النظر إلى حقوقها ومكانتها ودورها في بناء الأسرة والمجتمع ككل.

ونادراً ما توجد فتاة في وقتنا الحالي لم تتعرض لتحرّش لفظي في حياتها، ولكن معظمهن لا يُعطين بالاً ولا أهمية لما يسمعنه من معاكسات هنا وهناك، رغم ما تحمله من أذىً وجرحٍ لمشاعرهن، والغالبية العظمى منهنّ لا تبوح بما تتعرض له من مضايقات يومية، وتتكتم عليه في صدرها خوفاً على سمعتها ومستقبلها، إضافة إلى ذلك فلا يوجد حتى الآن قوانين رادعة تُشجّعها على إخبار الجهات المعنية، كي تأخذ لها حقها من هؤلاء الذين حاولوا الإساءة لها، ولم يردعهم دينهم وأخلاقهم وقيمهم من التعرّض لفتاة ربما تكون قريبته أو أخته دون أن يدري، ولم يخشوا أن تتذمر إحداهن ولا تقبل بالأذى لنفسها، وترد عليه بكلمات قاسية، فتهتز صورته الرجولية أمام الناس.

ولكي نتخلص من هذه الظاهرة، ونوقف استشراءها، الأجدر بنا أن نجد لهؤلاء الشباب برامج توعوية تثقيفية نضمّنها في مناهجنا حول مدى خطورة هذه الظاهرة على المجتمع. والأولى من ذلك أن نُنمّي في نفوس أبنائنا نزعة الحفاظ على الطرف الآخر، وحمايته ومعاملته بلباقة كائناً من كان، عبر إعطائهم جرعات تربوية أخلاقية منذ الصغر. لأن المعاملة الحسنة وحسن التصرّف مع الآخرين، أمور يجب أن يتحلى بها الجميع، والأخلاق العالية هي أسمى ما يميز الإنسان عبر العصور.

العدد 1140 - 22/01/2025