أوهام على أنقاض جدّي..!

عندما أخبرني صديقي بضرورة مراجعة مالية الدريكيش بسبب لا أعلمه، قفزت إلى مخيلتي مجموعة من الصور التي كان من ضمنها صورة جدّي الذي سافر إلى الأرجنتين منذ عقود.

كانت صدمتي الأولى تتمثّل في عدم معرفتي أنّ المدينة التي أتنفّس هواءها وألهو في شوارعها وأعدّ نفسي خبيراً بالمواقع الهامّة فيها، تحتضن فيما تحتضن من مؤسسات ومديريات حكومية مديرية للمال. ممّا دفعني فوراً لسؤال صديقي عن موقع تلك المديرية. عندئذ ابتسم بقليل من السخرية وقال: وهل أتيت لتوّك من جرم سماوي آخر؟! أنت هنا منذ أكثر من خمس سنوات وتسأل عن مديرية المالية؟! أيعقل أنك لم تتعرّف بعد على هذا الصرح، خصوصاً في هذه الظروف التي يسعى الجميع فيها لكسب المزيد من المال؟!

هنا غادرتني غريزتي وجلست على إحدى درجات البناية، تنظر إلى هذا الإنسان العاقل الذي هو أنا كيف لمعت عيناي وحلّت الابتسامة على وجهي وكأن زباوبوس ترقص أمامي، بعد أن خلعت ما عليها من ثياب. وحتى صديقي وقف كالمندهش من حالتي، يحدثني دون أن يحصل مني على جواب. عندئذ صرخ في وجهي محاولاً إخراجي من حالتي تلك: ألا تسمعني؟!. ما بك؟!. كأنك تتذكّر أمراً جميلاً!

قلتُ، وعلى وجهي مسحة من سعادة افتقدتها لزمن طويل: يبدو أنّ الأيام ستضحك لي أخيراً. وقبل أن أدعه يسأل عن كيفية ذلك استطردت في كلامي قائلاً: ألا تعلم أن جدي سافر إلى الأرجنتين منذ أكثر من نصف قرن وانقطعت أخباره عنّا؟

بدت علائم الاستغراب على وجه صديقي وهزّ رأسه في إشارة لعدم معرفته بذلك. فتابعت كلامي: أعتقد أنه قد تذكرنا أخيراً وأرسل لنا شيئاً من المال بعد أن أحسّ برغم طول المسافة بيننا.. أننا في أمسّ الحاجة لذلك، وربما لهذا أرسلوا في طلبي!. صدقني ( تابعت كلامي وأنا أحدّق في السقف) منذ عدة أيام وأنا أحكّ باطن كفي الأيمن، وكما قالت لي إحدى عرّافات العاصمة منذ سنوات فإن أحوالي ستتحسن ذات يوم دون أي موعد مسبق بذلك. وأظنّ أن الوقت قد حان! يا ألله كم أنت حنون يا جدّي! هنا اقتربت غريزتي مني وصرخت: هل تحدّث نفسك أيها المجنون؟! لقد انصرف صديقك منذ برهة وأنت ما زلت مسترسلاً بالكلام. وكي لا أطيل عليكم وتصبح الحادثة طويلة وغير قابلة للنشر في الجريدة التي أحب، ذهبت في اليوم الثاني إلى مديرية المالية مصطحباً معي حقيبة يدوية وهويتي الشخصية وبعض الطوابع والصور وبيان عائلي وسند إقامة وبقايا صورة لجدي. وما إن وصلت إلى الطابق الثاني حتى فاحت رائحة الخبز المسخّن والمتة، فدخلت وألقيت السلام على الحضور.. لكن انهماكهم في أحاديثهم الصباحية لم يدعهم يلتفتون إليّ، فكررت التحية بصوت أقوى عندئذ أزاح أحدهم نظارته وأخذ آخر شفطة متة وقال: ماذا تريد؟ ولماذا أنت في عجلة من أمرك؟ مازال النهار في أوله!

حاولت استحضار ابتسامتي وقلت له بكثير من التهذيب: لقد أرسلتم في طلبي. وقدمت له الأوراق التي بحوزتي..عندئذ اصطحبني إلى غرفة مجاورة وسلَّمني لصديق له، وعاد ليتابع المتة والثرثرة. سألني الشخص الثاني عن اسمي ومكان سكني ورقم العقار الذي أحشر فيه نفسي وعائلتي، وأضاف: كان عليك مراجعتنا منذ ثلاث سنوات. قلت في سرّي: وفقك الله يا جدّي لا بدّ أن المبلغ قد تضاعف. فنظرت بكثير من التودد إلى الموظف المذكور وقلت له: كل تأخير وفيه خير. هنا سحب دفتراً كبيراً وبدأ يبحث عن اسمي بين أوراقه إلى أن اهتدى إليه، فأخرج ورقة بيضاء وبدأ يسجل.

قلت له وأنا أتابع ما يكتب: أنا لا أريد الفوائد.. أعطني المبلغ من فضلك كما هو. نظر الرجل إليّ شزراً وقال: عن أيّ مبلغ تتحدث؟! كان عليك أن تأتي إلينا منذ ثلاث سنوات وتدفع ما يترتب عليك من مسقّفات. قلت وقد تسللت الخيبة إلى مفاصلي: مسقّفات؟! ما هذه المسقّفات.. ولماذا؟!

قال وهو يكتب إيصالاً لي بالمبلغ الواجب عليّ دفعه: إنها ضريبة امتلاكك منزلاً في المدينة! امتلكتُ شجاعتي وأخرجت من محفظتي المبلغ المطلوب وسألته وهو يهمّ بتسخين الإبريق: إذاً لم يرسل لنا جدّي من الأرجنتين أيّ مبلغ من المال؟! قال وهو ينظر من خلال النافذة: وهل لجدّك منزلٌ في هذه المدينة؟! أرجو أن تخبره بضرورة مراجعتنا من أجل دفع ما يترتب عليه من مسقفات.

قلتُ وأنا أضع الإيصال في الحقيبة التي أحضرتها من أجل المال: لو كان لجدي منزل هنا لما هاجر إلى الأرجنتين أبداً.. وانصرفت!

العدد 1140 - 22/01/2025