عابرو أرصفة الأحلام
يشكل الليل الحلم الأكثر إثارة لعابري أرصفة الحياة، ومتسكعي الشوارع الخلفية التي تكتظ بالهوامش الطارئة، والأشباح المارة من الغياب إلى الغياب، دون أن ينتبه إليها أحد، أو أن يحسّ بها. حتى أمثالها، تلك الأمثال المرهقة المؤرقة، والتي تكتفي بلحاف الليل، ووسادة من حذاء بال قديم.. تنتعش بنشوة لحظة تريح الرأس عليه، وتذهب بعيداً في نشوة أحلامها، وتمنياتها الفائضة عن حاجاتها. فتكسر حدة صمت العتمة للحظات عبر صحو اليقظة تراجع ملف حساباتها اليومية.. تلك الحسابات المثقلة بالهموم، والبحث المضني عن كسرة حياة هنية خارج إطار الحزن والموت والعبث اليومي… تجاه الحقائق الخائبة!
هذا في لحظات صحو اليقظة المقيت والمثقل بالدمع وغيبوبة الواقع المريرة، وسطوة اليوميِّ القاتل، الذي لا يحمل لدراويش الأرصفة إلا المرارة والأسى والعذاب، مع قسوة تلك المكابدات يوماً عن أمسٍ مضى أقل بكبوة واحدة عن آتيه الأشد مرارة وقسوة ومكابدة. فإذا وافت غريبَ الصباح لحظةُ الغفوة الطارئة الهاربة من مكابدات الصباحات المريرة الآثمة، وحانت لحظة الحلم الدافئ تحت لحاف الليل، نسيَ الهامشُ المتعب ما كان من مرارات تلك الصباحات الحزينة القاتمة، وعاش نشوة الحلم في أبهى صورها، وتصوراتها المحشورة في ركن قصي من عباءة الليل المحملة بالقليل الممتع جداً والذي يساوي عند صاحبه في لحظة النشوة الطارئة الدنيا بما فيها!
الفقراء يحبون الليل جداً، ودراويش الأرصفة، والغرباء في حدائق العتمة رغم وحشتها، وحِدَّة بردها في زمهرير المساءات الحزينة. وكذلك الشعراء، والموجعون، والمنسيون، والهاربون من عذابات النهار القاتلة.. هؤلاء جميعاً يجمعهم لحاف الليل، ومتعة الأرصفة على نوبات متتالية من نشوة أحلام تمر عابرة، وترحل عابرة، وتترك في نفوس محبيها روعة ما كان من تلك اللحظات الدافئة الندية!
والشعراء والمدنفون كذلك يحبون الليل والحلم بين القصيدة وبردى وفيروز وتذكارات الماضي على طريق الجامعة، ومتع الليل بين الحَوْر والصبايا، والثرثرات الندية! بغتة سقط الحلم، وسقطت التذكارات، وسقطت التمنيات الكثيرة التي كانت تمهد طريق المستقبل للأجيال القادمة، في دوامة الكوابيس المفجعة، والتي تَوَحَّد الجميعُ تحت سقف غواياتها الآثمة.. لم يعد هناك كبار وصغار وأجيال، وأحلام، وتمنيات خضراء بلون العشب ونكهة الياسمين، والكباد والزيزفون، ولا حتى فيروز والقدس وراجعون.. وخبرني العندليب.. ولا.. (بيّي راح مع هالعسكر)، ولا لحاف ليل يخبئ الجميع تحت عباءته السمراء ليحلموا جميعهم بنشوة ما يشتهون، ويتمنون نهاراً ليجيئهم مساءً على رعشة من هبوب الدفء، وبريق الذكريات المشبع بالنشوة والمتعة الدافئة.
الصباحات دم وكوابيس، والظهيرة دم وكوابيس، والمساءات موت وكوابيس، والعصافير في أعشاش دفئها الليلية الدافئة.. أعشاش القش والقصب تلملم بعضها بعضاً لليلة دافئة الحضور والغناء، رغم ضراوة الكواسر والبرد، لكنها تستمتع بالليل بما تخبئه في النهار لمساءاتها الممتعة.. والأشياء كافة تفعل فعل العصافير في أعشاشها، والكائنات كافة تستمتع بحلاوة عيشها وتمنياتها، ثم تنظر إلينا نحن البشر المثقفين ذوي العقول المتميزة عن كائنات الكون، والأغبياء جداً، ثم تشير إلينا بثرثراتها المبهمة الجارحة: ما لهؤلاء المجانين العقلاء والأغبياء يختارون من ألوان قوس قزح اللون القاني جداً، ويحاربون كل أخضر وجميل، راكضين إلى متعة الموت بفرح مجنون؟!