دموع الرجال قوة…

ربما يأخذنا الحديث عن قضية البكاء، إلى قضية المساواة بين الذكر والأنثى، فالقضايا العاطفية والغرائز والرغبات والتعبير عن الشعور النفسي والأحلام والأمنيات وطرق التفكير، والكثير من الحالات الوجدانية المشتركة بينهما، هي نفسها لا تختلف عند الطرفين، وأول ردّة فعل إنسانية في بعض المواقف، هي الضحك والبكاء، والحالة النفسية في هاتين القضيتين، لا تختلف بين ذكر وأنثى.

قيلَ إن بكاء الرجال ضعفاً، وهذا القول يبقى أبداً ماثلاً في تفكيرهم، لذلك يتردد الرجال ويخجلون عندما تبدأ دموعهم بالظهور، ويحاولون التمرد على شعورهم بأي شكل. من حق الرجل أن يبكي وليس للبكاء علاقة بالرجولة، ودموعه لا تختلف عن دموع المرأة، هي بالنتيجة دموع إنسان، وهي حالة لا إرادية للتعبير عن الشعور الداخلي بالألم النفسي، في مواجهة الخيبة والانكسار والقهر الذي يتعرض له الانسان.

هذا الألم النفسي والحزن والقهر، هو شعور وجداني شخصي، يسيطر تأثيره على حالة الرجل والمرأة، بالمستوى نفسه، والفرق النسبي البسيط أن المرأة قد تُعبّر عن حالتها بالبكاء بزمن أسرع من الزمن الذي يستغرقهُ الرجل، وهو يحاول جاهداً أن يسيطر على أعصابه، إلاّ أنه سرعان ما ينهار ويبكي، وبكاؤه ليس ضعفاً، وليس عيباً، إنما هو تعبير منطقي عقلاني، عن حالة صعبةٍ يمرُّ بها، فيكون البكاء هو التعبير الأولي عن شعوره، تماماً كما هو الحال عند المرأة.

البكاء ليس حالة من الشذوذ النفسي، بل هو حالة طبيعية للإنسان الطبيعي، وهو ردّة فعل أولى وحالة لا إرادية، يُسببها انفعال شديد، إن كان في الحزن والقلق، أو في النجاح والفرح.

كثيراً ما نبكي لا على حالةِ تعنينا مباشرةً، أو موقفٍ نتعرضُ له شخصياً، بل نبكي على حالات عامةٍ نسمع بها، ويتعرّض لها غيرنا، فتحدث ربما الصدمة العاطفية الإنسانية، ويكون البكاء ردة فعل طبيعية.

التربية الأولى للطفل الذكر، تقول له إن البكاء للنساء فقط وليس للرجال، إنما يبقى هذا الموضوع حالة من التربية المؤقتة، غير ثابتة لا بذهن الأهل ولا بذهن الطفل المتلقي، وهذه المقولة هي من البدايات في بنود التربية للطفل الذكر، ليس في المجتمعات الشرقية فقط، وإنما في كل المجتمعات، لأن هذا الطفل بمفهوم الأسرة هو من سيصير مستقبلاً رجلاً قوياً، يُعتمدُ عليه في أمور يصعب الاعتماد فيها على النساء.

 مهما قلنا وتكلمنا عن نظريات عدم التفريق بين الجنسين، فلا بدّ أن يكون هناك بعض الفوارق التكوينية بين المرأة والرجل، هذه الفوارق تجعل الرجال أكثر تحمّلاً من النساء، في الكثير من الظروف والمواقف.

وأيضاً في بعض الحالات مثلما نقول للطفل الذكر أن لا يبكي أمام الناس، هناك من يقول للفتاة أن لا تضحك أمام الناس لأن ضحك الفتاة عيب كما يعتقد البعض، وفي الحالتين هي تربية ارتجالية دون أسس منطقية.

دموع الرجل ليس عيباً أن تظهر، ولكن عندما تظهر، فكلنا يشعر بالقهر على بكائه، لأن البكاء أقسى وأصعب حالات التعبير عنده، ونحن نتوقع منه أن يكون أشد عزيمة، وأكثر صلابة وقوة، وأكثر صبراً، إنما كل تلك الصفات تتوارى وتختفي أمام الحالة الإنسانية الرقيقة التي لا بدّ أن توجد في كل إنسان، وإن كانت بدرجات وقياسات مختلفة من رجلٍ إلى آخر، ولا يمنع الرجل كبرياؤه وقوته من أن يبكي، فالدموع هي المتنفس الأول للإنسان في أغلب حالات الحزن أو الفرح.

من الطبيعي أن نتأثر نحن الأهل ببكاء أولادنا ذكوراً وإناثاً، ولا نحب أن نرى أحداً يبكي، لأن الحالة التي يصل بها الإنسان إلى البكاء، هي حالة صعبة جداً، حتى وإن كانت في الفرح.

العدد 1140 - 22/01/2025