بعد أن عصفت الأزمة بقطاعاتها.. الصناعة تنتظر الدعم!
تعترف معظم الجهات المسؤولة بأهمية الصناعة الوطنية وضرورة تعزيز مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي من أجل تنشيط الاقتصاد الوطني، من خلال التنمية الصناعية التي هي عماد التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، إضافة إلى تلبيتها جزءاً كبيراً من احتياجات سورية من هذه الصناعات، ورافداً كبيراً لخزينة الدولة فيما إذا عززت مكانتها بالشكل الصحيح، إذ إن مساهمتها لاتزال منخفضة، فهي تسهم بنحو 11% من الناتج، وهي نسبة متدنية نظراً للإمكانات الكبيرة والمقومات المتميزة التي تزخر بها سورية، الأمر الذي يتطلب بناء صناعة قوية تملك القدرات التنافسية والتصديرية، وهو ما يتطلب جهداً حكومياً مضاعفاً وخاصاً في ظل الأزمة الحالية التي انعكست سلباً على القطاع الصناعي وتراجعت مساهمته أكثر من السابق نتيجة إغلاق الكثير من الفعاليات الصناعية والتجارية بسبب الوضع الأمني المتردي، وصعوبات النقل وإيصال البضائع. إضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي فرضها علينا المعسكر الغربي (الولايات المتحدة وأوربا) ومشايخ الخليج، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتراجع الاستثمارات وارتفاع نسب البطالة. كل ذلك مصحوب بقصور حكومي في تفعيل دور الحكومة في العملية الاقتصادية ما يحتم علينا اللجوء إلى خيار الاعتماد على النفس في مهمة توفير السلع والمنتجات للمواطن السوري.
أدت سياسات الفريق الاقتصادي في الحكومات السابقة إلى ظهور حالة من التذمر الشامل بين المواطنين السوريين بسياساته التي أفقرت وهمشت مئات آلاف العائلات عبر فتح المجال للسلع المستوردة لتسحق الاقتصاد السوري، إذ أقفلت العديد من مصانعنا المحلية أبوابها، وامتلأت واجهاتنا ببضائع مستوردة. وفي هذا السياق تقول غرفة التجارة في حلب: الانفتاح الذي يشهده السوق السوري والذي جاء بلا ضوابط، يهدد العديد من المصانع والورش الصناعية الصغيرة.
فتم خنق القطاعين العام والخاص بالبضائع التركية التي أدخلت، بغياب شبه تام للجهات الرقابية الرسمية. وتراجعت صادراتنا في تشرين الثاني 2008 من 5,14 مليون دولار إلى 2,4 ملايين دولار. وترافق ذلك مع منافسة شديدة لمصنعي الأقمشة. وكذلك انخفضت مبيعات الغزول داخلياً وخارجياً بنسبة 50 %، فبعد عقد من تهميش الصناعة الوطنية بالسياسات الانفتاحية أتت الأزمة لتقضي على الرمق الأخير الذي بقي منها. فكشفت »المؤسسة العامة للصناعات الهندسية«، أن 4 شركات مازالت ضمن الخدمة الفعلية في مقدمتها زكبلات دمشق وحلبس و»شركة سيرونكس والإنشاءات المعدنية«، من أصل 12 شركة تابعة لها، والباقي خارج الخدمة الفعلية بفعل الأحداث التي تمر بها البلاد. فيما أشارت إلى أن خسائر شركتي بردى والكبريت تقدر ب110 ملايين ليرة.
تحديات واقتراحات
تواجه الصناعة السورية الكثير من الصعوبات والمعوقات وخاصة في الأزمة الحالية وما أفرزته من منعكسات كثيرة، كأزمة النقل والصعوبة التي تواجه العمال في الوصول الى أماكن عملهم، خاصة في المحافظات التي تشهد انتشاراً للمجموعات الإرهابية المسلحة. إضافة إلى التعديات المتكررة على المنشآت الصناعية، فيجب العمل على تأمين القوافل التجارية وحماية المنشآت الصناعية والمناطق الصناعية التي لم تجد حلولا ناجعة حتى الآن لتتمكن من الاستمرار في الإنتاج.
وفيما يتعلق بأمور الترخيص وما تعانيه من بيروقراطية كبيرة إذ تعاني بعض المنشآت الصناعية للحصول على الترخيص الإداري، فيجب السعي للتخفيف من الروتين عند إصدار الترخيص لصناعات متعلقة بوزارات أخرى، والعمل على تسهيل الإجراءات على المستثمرين بتلافي الازدواجية الحاصلة بين »هيئة الاستثمار« والوزارات، واعتماد النافذة الواحدة للحصول على التراخيص، وإيجاد آلية مناسبة لتحفيز التصدير وتشجيع الاستثمار وحماية المنتج الوطني وتشجيعه على النمو وتقديم التسهيلات التي تمكنه من المنافسة محلياً وخارجياً.
تطوير وتنمية قدرات الصناعة السورية بقطاعيها العام والخاص وإزالة المعوقات التي تعترض عملها بهدف تحقيق مزيد من التطور، وتعزيز التشاركية بين القطاعين العام والخاص في صنع القرارات الاقتصادية وفي مختلف المجالات بما يحقق تطور ونمو الصناعة الوطنية ويرفع من مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
المطلوب زيادة تنافسية القطاع الصناعي ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير مؤسسات وآليات دعم القطاع الصناعي وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي وتطوير شركات القطاع العام الصناعي والتركيز على التنمية الصناعية الإقليمية المتوازنة. ونؤكد أهمية مقترح غرفة صناعة دمشق وريفها لإقامة و إنشاء وإدارة مجمعات صناعية خاصة بالمنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر، وتخصيصها في مناطق متعددة على حدود دمشق وريفها لاحتضان الصناعيين الصغار وتطويرهم، وذلك بإقامة مراكز تدريبية لهم وإيجاد أسواق لمنتجاتهم ليتمكنوا من إنشاء معامل كبيرة في المستقبل، ومن ثم تعميم التجربة على باقي المحافظات التي هي محاكاة لتجربة عالمية مطبقة في العديد من دول العالم.
ومن ناحية أخرى يؤثر ارتفاع الفوائد على القروض الصناعية على العمل الصناعي، فيجب إعادة النظر في نسب الفوائد التي تفرضها المصارف العامة وتتبعها المصارف الخاصة. والتشديد على اقتراح اتحاد غرف الصناعة السورية البدء بنظام التأجير التمويلي الذي يمثل أداة تمويل مناسبة للمجتمع السوري وإلغاء رسوم الرهن وفك الرهن عند تقديم عقارات وأملاك كضمان للحصول على تسهيلات مصرفية، إضافة إلى إعادة النظر بالمرابح التي تتقاضاها المصارف الإسلامية، وهي مرتفعة جداً مقارنة مع المصارف العادية.
إعادة جدولة القروض المتعثرة والتسهيلات الممنوحة للتجار والصناعيين والأفراد، والناتجة عن تسهيلات واعتمادات وحسابات جارية مدينة، وحسم سندات وكفالات قروض وعقود مرابحة لتقسيط السيارات والعقارات وغيرها. وإعفاء هذه الديون من غرامات وفوائد التأخير، والعودة إلى الفائدة العقدية العادية بحدها الأدنى، وذلك عن المدة الأساسية فقط دون احتساب فوائد أو غرامات عن فترة الأزمة أو عن مدة الجدولة الناجمة عن مفاعيل الأزمة الحالية. كذلك إيقاف تصنيف الديون المستحقة وغير المسددة بسبب الظروف الحالية لحين جلائها، إذ التعثر في سدادها انحصرت أسبابه في الأوضاع الحالية، ولا ذنب للتجار والصناعيين، وذلك تنفيذاً للمرسوم التشريعي رقم 51 لعام ،2012 والتراجع عن رفع سعر فوائد الإقراض البالغ 16%.
إن الصناعة الوطنية ظلت خلال سنوات تواجه الكثير من المصاعب والمعوقات والتحديات، وهي اليوم أحوج ما تكون إلى الاهتمام والدعم، وخاصة بعد أن عصفت الأزمة التي تشهدها سورية بها، وأصابت معظم القطاعات الإنتاجية، ونحن اليوم نقف على مفترق طرق لتحديد الهوية والوجهة المقبلة لصناعتنا، التي مازالت تنتظر الدعم، الأمر الذي يساهم في تبوّؤ مكانتها في الاقتصاد الوطني، ويرفع مساهمتها في الناتج المحلي، وكذلك منحها الدور الفاعل للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية بقدرتها الكبيرة على استيعاب وإيجاد فرص حقيقية ذات قيمة مضافة.