رسالة إلى قبر أمي

(صباح الخير يا حلوه

صباح الخير يا قديستي الحلوة

مضى عامان يا أُمي

على الولد الذي أبحر

برحلته الخرافية

وخبأ في حقائبه

صباح بلاده الأخضر)!

هذا مقطع من رسائل نزار قباني إلى أُمه.. وأنا سأكتب رسالة إلى أمي التي رحلت قبل 28 عاماً، وبقيت في ذاكرتي حيَّة.. ستقرأ هذه الرسالة حتماً في الحادي والعشرين من آذار.

أشعلت شمعة الحنين في عيدك يا أمي، وتفتحت شرايين القلب في هذا اليوم، وأنا أستقبل أبنائي وهم يتضاحكون، ويحملون الهدايا إلى أمهم.. يباركونها بالقبل، وهي تمطرهم بزخات مطر الحب من غيمة ربيعية.

كنت أراقب ما يجري من فيضان الحب بغزارة من سواقي القلوب، وأنظر إلى صورتك المعلقة على جدار صامت، ولم أقدر أن أوقف دموعي، وهذا التدفق على خدين كهلين.

لم أجد من يحمل رسالتي إليك، لذلك صممت أن أزورك وأقرأ هذه الرسالة، ربما تخرجين من القبر حينما تسمعين صوتي. وفي الطريق كانت أنامل الحب تطرق باب ذاكرتي، بكلمات موجعات وشوق لم أخسر منه حرفاً رغم ما يجري في بلادي.

تقاطرت الهواجس على جانبي الطريق، وتحرك موكب الذاكرة، في طريق وَعْرة ربطت الماضي بالحاضر.. ولم تذبل الوردة التي ابتعتها في ساعة مبكرة من هذا الصباح.

 أطلت أمي من فتحة في القبر.. نظرت إليَّ بفرح يتلألأ في عينيَّ، وحزن دفين برزت تضاريسه فوق وجنتين، كحارسين مسلحين بالعطر والوجد.

حاولتْ أمي أن تتقدم نحوي وتقتحم سوراً عالياً يفصلني عنها.. وعندما لامس كفّها الجدار وقع السُّور وتقطعت أوصاله.. وتمزق حُلمي معه وتحوَّل إلى نُتفٍ من الفرح، غسل ذاكرتي وتناثر فوق قلبي..

جلستُ كطفل فَقدَ نصف حياته على زاوية القبر.. قرأت لها رسالتي وقدمتُ بطاقة الدعوة للاحتفال معنا في هذا المساء.. فأبنائي يا أمي قد اشتاقوا إليك وأحفادي كبروا..!

قدمتُ لها وردة حمراء باسم أمهات الشهداء.. وقدَّمتْ أمي وردة بيضاء.. تبادلنا الورود.. وقبل أن تغيب عنّي مسحتْ أناملها متاعبي.. أزالتْ عني غبار الوجع، ودسَّت أنفها في شعري، ونسيت أنني أصبحتُ أكثر من كهلٍ، وقالت: أخاف عليك من القذائف يا ابني ومن الجهلة الغدَّارين.. ومن غياب ضحكتك ورنين حروف الحب التي بذرتها في قلبك، لكنّي واثقة من أنَّ غرسة الحُبِّ التي زرعتها في أرض سورية أثمرت ثمراً لذيذاً يحمل رائحة أديمها.

وقالت أيضا وهي تودّعني: خرجتُ من القبر، رغم الحراسات الشديدة، حين سمعتُ صوتك، وأنتَ تقول: أنا هنا يا أمي . لقد جئت إلى زيارتك في يوم عيدك وعيد الأمهات السوريات ..أمهات الشهداء والمفقودين والمخطوفين والمهجّرين..فكلُّ عيد وأنت وسورية الحبيبة بخير يا أمي..!

العدد 1195 - 23/04/2026