الانتخابات النيابية في بريطانيا… النتائج والتداعيات
حقق حزب المحافظين فوزاً كاسحاً في الانتخابات النيابية التي جرت في بريطانيا يوم السابع من أيار الماضي، حاصداً 331 مقعداً من أصل 650 هي مجموع مقاعد المجلس النيابي البريطاني. هذا النصر الذي وصفه المراقبون بأنه (زلزال سياسي) سيكون له تداعياته في السنوات المقبلة على الساحتين الداخلية والخارجية، لأنه سيمكّن دافيد كاميرون رئيس حزب المحافظين، من الجلوس مرة ثانية على مقعد رئيس الوزراء خلال السنوات الخمس المقبلة من دون الحاجة للتحالف مع أحزاب أخرى، وبالتالي إطلاق حريته في اتخاذ كثير من القرارات التي كان من الصعب عليه اتخاذها خلال فترة حكمه السابقة، التي تحالف فيها مع حزب الديمقراطيين الأحرار.
هذا الانتصار القوي لحزب المحافظين شكل (ضربة قوية) لحزبي العمال والديمقراطيين الأحرار، وهما حزبان عريقان، بعد خسارتهما 26 و49 مقعداً على الترتيب، و(ضربة في المهد) لحزب استقلال المملكة المتحدة الذي كان يأمل بحضور سياسي قوي في تجربته الديمقراطية الأولى، ما أدى إلى خروج زعماء هذه الأحزاب الثلاثة من المشهد السياسي البريطاني بتقديم استقالاتهم من قيادة أحزابهم، في خطوة تؤكد التقاليد التي ترسخت لدى الأحزاب السياسية الكبيرة التي تحترم قواعدها الانتخابية، إذ إنها تترجم عملياً فشلها في قيادة أحزابها. هذه الخطوة التي يعتبرها البعض تنم عن الضعف هي في الحقيقة اعتراف بدور الفرد في الحياة السياسية التي يتعاطى معها البعض، في الشرق، على أنها ترفٌ وفوقية، لا على أنها أحد الحقوق الأساسية للمواطن.
هذا الزلزال السياسي أدى إلى اكتساح القوميين الإسكتلنديين المطالبين بالاستقلال للمقاعد المخصصة لإقليمهم في مجلس العموم، بنيلهم 56 مقعداً من المقاعد ال59 المخصصة لإسكتلندا، وأنهى نصف قرن من هيمنة حزب العمال على الأصوات في هذا البلد. هذا الاكتساح قد يعيد من جديد تأجيج طموحات إسكتلندا بالانفصال عن المملكة المتحدة في المستقبل. فالحزب القومي الإسكتلندي، الذي مني بهزيمة كبيرة في الاستفتاء على الاستقلال قبل ستة أشهر يبدو أنه قد تمكن من رصّ صفوفه من جديد استعداداً لخوض معركة جديدة في (حرب الاستقلال) عن بريطانيا العظمى.
هذا الانتصار يعود إلى نجاح حزب المحافظين في تحويل خطابه السياسي إلى الاهتمام بالقضايا الملحة التي تؤوق المواطن البريطاني، مثل المهاجرين ووجود بريطانيا في الاتحاد الأوربي، وتقديم وعود واضحة، على عكس حزب العمال، في هذا الصدد، وأبرز خطوة هنا ستكون الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي عام ،2017 التي أصبحت على جدول أعمال بريطانيا بعد فوز المحافظين، وكذلك إلزام المهاجرين بالبقاء في بريطانيا أربعة أعوام مع دفع الضرائب قبل أن يبدؤوا في الحصول على المميزات التي تقدمها الدولة. هذا الخطاب جاء ترجمة للاستياء المتصاعد في بريطانيا ضد المهاجرين من الاتحاد الأوربي، الذين يتم تصويرهم على أنهم محتالون يستغلون نظام الرفاه البريطاني، إضافة إلى تزايد امتعاض الحكومة البريطانية من بيروقراطية الاتحاد الأوربي، ومشكلة الركود، ومتاعب اليورو، وارتفاع مستوى البطالة في القارة. إضافة إلى فشل حزب العمال بقيادة (إد ميلباند) في طرح شعارات وخطط للعمل تلامس هموم المواطن البريطاني الذي لا تخدعه الشعارات البراقة بقدر تقديره للنتائج التي تتحقق في الحقيقة.
ويمكن القول إن هذه الانتخابات ونتائجها قد تمثل لحظة الفصل في تحديد ما إذا كانت المملكة المتحدة ستبقى متحدة، وما إذا كانت ستتطلع إلى مستقبل مشترك مع جيرانها الأوربيين، فبعض المراقبين يرى أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوربي يعد من ضروب التهور السياسي، إذ ستتعرض البلاد على إثره للعزلة والتقوقع داخل مساحة صغيرة، كما أن هذا الانفصال قد يضطر عدداً من المؤسسات التجارية والمالية التي تتخذ من بريطانيا مقراً لها، لجاذبيتها في تسهيل الدخول إلى الأسواق الأوربية، إلى مغادرتها، وهو ما سيكون له تداعيات بالغة السلبية على خامس أكبر اقتصاد في العالم. أضف إلى ذلك، أن انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوربي قد يتبعه خروج إسكتلندا من المملكة المتحدة على الأرجح، في ضوء رغبة الإسكتلنديين البقاء داخل الاتحاد الأوربي.
هذه الانتخابات قد تؤدي إلى تزايد الغضب العربي، رسمياً وشعبياً، من سياسات الحكومات المتعاقبة البريطانية، إذ لم يسجل أي موقف إيجابي تجاه القضايا العربية المصيرية من أي من الحزبين الرئيسين في بريطانيا، الأمر الذي جعل المواطن العربي يشكل صورة سوداوية للسياسة البريطانية في المنطقة، خصوصاً أن التحقيق الذي أجرته حكومة كاميرون المحافظة حول نشاطات التنظيمات الإرهابية العاملة على الأراضي البريطانية، وخصوصاً تنظيم الإخوان المسلمين، لم ينشر حتى الآن، في خطوة قد تعكس التخوف من فضح الارتباطات القائمة بين هذه التنظيمات والأجهزة السرية التابعة للحكومة البريطانية.