الفشل الكبير… الأزمة الاقتصادية: المشهد مكرراً

التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى: الاجتماع السنوي للرابطة الاقتصادية الأمريكية والمؤسسات التابعة لها، معرض من النوع الذي ينتمي إلى القرون الوسطى، والذي هو أشبه بسوق للأشخاص (حملة شهادات الدكتوراه الجدد الباحثين عن عمل) والكتب والأفكار. في هذه السنة، وكما حصل في الاجتماع السابق، سيكون هنالك موضوع واحد يستحوذ على كل النقاشات: إنه الأزمة الاقتصادية القائمة.

ليس على هذه الشاكلة كان يفترض أن تجري الأمور. فلو أنك استفتيت الاقتصاديين الحاضرين في هذا الاجتماع منذ ثلاث سنوات تقريباً لكان معظمهم سيتوقع جازماً أنهم سيقضون معظم فترة الاجتماع يناقشون كيف انتهى الكساد الكبير، وليس لماذا ما يزال مستمراً.

لذلك يطرح السؤال: ما الخلل؟ فيكون الجواب: يعود السبب في الدرجة الأولى إلى انتصار الأفكار السيئة.

من نافل القول إن الفشل الاقتصادي في السنوات الأخيرة يبرهن أن الاقتصاديين يفتقدون الجواب. لكن الحقيقة أسوأ من ذلك: في الواقع قدمت المعايير الاقتصادية جواباً جيداً، لكن المسؤولين السياسيين، ومعهم كل الاقتصاديين، اختاروا نسيان أو تجاهل ما كان عليهم معرفته.

تبدو القصة في هذه المرحلة واضحة إلى حد ما. قادت الأزمة الاقتصادية، عبر قنوات عدة، إلى انخفاض حاد في مستوى الإنفاق الفردي: انخفضت الاستثمارات في المجال السكني مع انفجار فقاعة العقارات، وبدأ المستهلكون بالادخار أكثر عَقِبَ تلاشي الثروة الوهمية التي جنيت من تلك الفقاعة، بينما بقيت ديون الرهن العقاري قائمة. وكان من المحتم أن يقود الانخفاض في الإنفاق الفردي هذا إلى ركود على مستوى العالم.

لأن الاقتصاد ليس مثل إدارة المنزل حيث تستطيع العائلة أن تقرر إنفاق القليل ومحاولة كسب المزيد. لكن في حالة الاقتصاد ككل فإن الإنفاق والكسب يكونان جنباً إلى جنب: فيكون إنفاقي هو إيرادك وإنفاقك هو إيرادي. فإن حاول كل شخص أن يخفض إنفاقه في الوقت عينه فستهوي المداخيل وترتفع نسبة البطالة.

وعليه ما الذي يمكن فعله؟ إذ إنَّ صدمةَ ماليةَ أصغر مثل أزمة فقاعات شركات الإنترنت أواخر القرن العشرين يمكن أن تحصل لدى تخفيض أسعار الفائدة. لكن أزمة عام 2008 كانت أكبر بكثير، حتى إن تخفيض الفائدة إلى الصفر لم يكن إلى حد ما كافياً.

عند هذه النقطة كان على الحكومات أن تتخذ خطوة الإنفاق لدعم مداخيلها، في الوقت الذي استعاد فيه القطاع الخاص توازنه. وإلى حد ما حدث ذلك: انخفضت الإيرادات بحدة لكن الإنفاق ازداد حين تكثفت البرامج الخاصة بالعاطلين عن العمل والتأمين، وتأثرت الحوافر. الاقتصادية المؤقتة. كما ازداد عجز الموازنة، لكن هذا كان شيئاً جيداً ومن المحتمل أنه السبب الأكثر أهمية للكساد الكبير الذي ليس لدينا جواباً شافياً عنه.

جرى كل شي بشكل خاطئ في العام 2010. لقد نُظِرَ إلى أزمة اليونان على نحو خاطئ، فقد اتخذت علامة على أن الأفضل لكل الحكومات أن تخفض الإنفاق والعجز فوراً. وأصبح التقشف هو أمر اليوم. وهلل الذين يفترض أنهم خبراء وأنهم يعرفون أكثر، هللوا للإجراء المتبع. بينما تم تجاهل تحذيرات بعض الخبراء الاقتصاديين (لكن ليسوا كثراً كفاية)، من أن التقشف سوف يعرقل الانتعاش. وعلى سبيل المثال، أكد رئيس المصرف المركزي الأوربي بكل ثقة أن (الفكرة التي تقول بأن تدابير التقشف يمكن أن تؤدي إلى ركود غير صحيحة).

حسناً لقد كان شخص ما مخطئاً.

يحتمل أنه في الورقة التي قدمت في الاجتماع، جاءت الإضاءة الأكبر من جانب أوليفر بلانشارد ودانييل ليغ، ممثلَيْ صندوق النقد الدولي. في الشكل، تعكس الورقة رؤية كاتبها فقط. لكن السيد بلانشارد كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي ليس باحثاً عادياً، ونُظِرَ إلى الورقة على أنها علامة على أن الصندوق قد أجرى إعادة تفكير أساسية في السياسة الاقتصادية. ما اختتمت به الورقة هو استنتاج أنه ليس للتقشف التأثير المؤدي إلى الكساد على الاقتصاديات الضعيفة فقط، لكن هذا التأثير السلبي كان أقوى مما كان يعتقد سابقاً. وكما تبين فإن اللجوء السابق لأوانه إلى التقشف كان خطأً فادحاً. 

رأيت بعض المراسلين يصفون الورقة بأنها اعتراف من صندوق النقد الدولي بأنه لا يعرف ما الذي يفعله. إن ذلك يغفل نقطة، وهي أن الصندوق كان في الواقع أقل حماسة للتقشف من لاعبين رئيسيين آخرين. لدرجة أنه يقول إنه كان على خطأ، ويقول أيضاً بأن كل شخص آخر (ماعدا أولئك الاقتصاديين المشككين) كان على خطأ لدرجة أكبر حتى. وهو يستحق الثناء لأنه مستعد لإعادة النظر في موقفه في ضوء الأدلة المتوفرة.

الأخبار السيئة بحق هي: كم كان اللاعبون الآخرون الذين يقومون بذلك قلائل. فالقادة الأوربيون، وبعد تسببهم للمعاناة بسبب مستوى الكساد في الدول المدينة لعدم استعادتهم للثقة المالية، ما زالوا يصرون على أن الحل هو المزيد من الألم. فالحكومة البريطانية الحالية التي وأدت الانتعاشة الموعودة بتوجهها نحو التقشف، ترفض رفضاً كاملاً التفكير باحتمال اقترافها لخطأ.

وهنا في الولايات المتحدة يصر الجمهوريون على أنهم سوف يلجؤون للمواجهة من أجل زيادة سقف الدَّيْن، وهو ما يعدّ بحد ذاته إجراء غير شرعي إلى درجة كبيرة، للمطالبة بخفض الإنفاق الذي سيعيدنا إلى الركود.

الحقيقة هي أننا نعاني فشلاً ذريعاً بسبب السياسة الاقتصادية. والأسوأ من ذلك أن العديد من المسؤولين عن ذلك الفشل مازالوا يحتفظون بالسلطة، ويرفضون أن يتعلموا من هذه التجربة أيضاً.

 بول كروغمان

الحائز على جائزة

نوبل للاقتصاد لعام 2008.

العدد 1188 - 25/02/2026