يوميات دمشقية في زمن الحرب
هي دمشق التي تغنى بها الشعراء مراراً.
أين الشعراء الآن؟! بعضهم، أقصد من بقي منهم في البلاد، لاذوا بظلال مقهى الروضة أو مقاهي ساروجة وهم يتهامسون عن حلمهم الممزق، الحلم بالحرية الذي امتلأ بالدم والصديد.
آخرون يتبادلون أنخابهم في برد المنافي القاحلة.. لم تعد ثمة قصائد، لم تعد ثمة مدينة تغوي الكلمات بمفاتنها وياسمينها ونسائها.. هي الآن خرائب وما بقي منها يتوجس من الخراب العميم.
وأنت تعبرُ شوارعَها الواجمة لا تقرأْ وجوهَ العابرين، تأملْ بردى كم يختزن من حزن وغضب وهو يعبر الأمويين إلى تمثال صلاح الدين الغافي بين بسطات المواد المهربة والخارجة من مستودعات أفرغت آخر محتوياتها.. إلى (باب توما) الذي يضع يده على قلبه من تفجير هنا و(هاون) هناك، والحرب صارت قريبة من الباب.. صارت تدق عليه.
على طريق المعضمية القادم إلى دمشق شاهد المارون جثة رجل ثلاثيني وهو ملقى على وجهه، يده ما زالت ممسكة بالغاز المنزلي الصغير، حقيبة الثياب ما زالت معلقة على كتفه وهو يتكىء عليها، بيده الأخرى كيس بلاستيكي فيه ما استطاع أن يخرجه من منزله المحاصر أو المدمر أو المنهوب، كان دمه ما زال حاراً في صباح 17 آذار .2003. أراد القناص أن يبدأ به صباحه، أن (يمزمز) برجل لا ناقة له ولا جمل في هذه الحرب.
هذا السوري لم يسجل في سجلات المنظمات والهيئات التي تهتم بأرقام القتلى والجرحى والنازحين والمعاقين . . .مثل عشرات الألوف الذين ماتوا في هذه الحرب ولم يدرِ بهم أحد، ماتوا من أجل الحياة، كانوا يسعون في مناكبها فاصطادهم وحش ما بطريقة ما، والقناص أخطرهم وأحقرهم.
القناص.. فقط وددت لو أعرف من أي طينة خلق هذا الكائن، كيف يقوم شخص من سلالة آدم بقتل آخرين لا يعرف عنهم شيئاً؟ لا يعرف إن كانوا من (الأعداء) أم من الأصدقاء! لا يعرف إن كان عابر سبيل جرّته قدماه إلى مكان الخطر! وهو في مطلق الأحوال ابن البلد، سوري فرض عليه انتماء ما، لم يختره بإرادته، أن يصطف في جهة ما بأسوأ الأحوال.. كيف تقتله أيها المقدود من حقد؟!
حقاً، إن القنص أقذر مهنة في التاريخ.
أحيانا يصبح الانتماء إلى بقعة جغرافية ما من بلاده، إلى حي ما، تهمة للسوري يجرجَر عليها إلى الأقبية المظلمة، ليقضي ما شاء له جلادوه أن يقضيه إلى أن يثبت براءته من ماذا؟ أو يهلك دونها. .
في الباص الفارغ تقريباً من ركابه أمام دوار البطيخة في مدخل مخيم اليرموك صعد رجل مشعث الشعر والثياب برفقة امرأة تحمل أمتعة، هي غالباً زوجته، كان يحمل بين يديه تلفزيون سيرونيكس قديم أخرجه من منزله الذي يحق له كما لكل سكان المخيم الدخول مشياً على الأقدام لساعة أو ساعتين صباحاً قبل أن يشتعل جنون الحرب على البيوت والمحال المهجورة من سكانها، كان يتمايل يمنة ويسرة مع حركة الباص وهو يحاول إيصال صيده الثمين لهذا اليوم إلى مكان مناسب في الباص، وضعه بجانب الكرسي وجلس لاهثاً حزيناً، بعد برهة وقف الباص على الحاجز، صعد شاب الباص ورمق هوية المواطن الجاني.. أنت من..؟ صرخ به الولد.
أجاب المواطن المنتوف بهدوء جريح: نعم، وأقوم يومياً بإخراج غرض مما تبقى من أثاث منزلي..
ثم من أين أتيت بهذا التلفزيون؟ أضاف الغضنفر الصغير..
أنزله هو وتلفزيونه البائس والمرأة التي كانت برفقته!!
يتداول السوريون عشرات قصص المخطوفين من قبل مسلحين مختلفي الاتجاهات والانتماءات.
من بعض القصص الطريفة ما حصل مع مهندس يسكن حيّاً آمناً نسبياً في أطراف دمشق، خُطِف على مدخل المدينة واقتيد معصوب العينين إلى حيث حبسه الخاطفون بانتظار الفدية المطلوبة من عائلته، وكالعادة طالت المفاوضات يومين بين الخاطفين والعائلة، خلالها كان الخاطفون يتركونه مقيداً معصوب العينين، استطاع الرجل فك وثاقه وحين فك العصبة عن عينيه وجد نفسه في حيّه، في منزل قريب من منزله، استطاع الهرب من نافذة المنزل.
ورغم قيامه بإخبار الجهات المختصة قدس الله سرها بالحكاية وبمكان الاحتجاز، فإنه لم يصل إلى نتيجة، النتيجة الوحيدة أن السادة الخاطفين بعد أن خسروا المخطوف فاوضوه على أوراقه الشخصية ومنها الهوية، ولم يحصل عليها إلا بعد دفع فدية مجزية حتى لا يضيع تعب المساكين.
حقاً إن شر البلية ما يضحك!
هذه بعض من أقل الحكايات السورية إيلاماً، القصص الأفظع التي لا تروى الآن سيأتي يوم ويميط أبطالها اللثام عنها، ثمة جراح تكفي آلاف الروايات والأفلام والمسلسلات والقصائد لترويها.. ثمة نزف بحجم البلاد سيُكتَبُ ذات شروق.