لماذا تخشى قوى الإسلام السياسي العلمانية؟
ليس جديداً أن يحتدم الصراع بين الاتجاهات والتيارات الفكرية في واقعنا العربي المعاصر، فهو امتداد لحالة الجدل الحامي الوطيس تاريخياً، لاسيما بين الاتجاهات الفكرية التي تنطلق من أسس متباينة، لتعبّر في نهاية المطاف عن مصالح الفئات الاجتماعية التي تتصارع من أجل مصالحها. وليس غريباً أن تلجأ بعض الاتجاهات إلى استخدام أساليب التشويه وتزوير الحقائق، واستخدام بعض المعتقدات لإرهاب الجمهور، مستفيدة من واقع الجهل والتخلف، وأحياناً سذاجة البعض الذين لا يحسنون التعامل مع الأشياء بوعي وصولاً إلى حقائقها.
ومن أبرز ما تشهده ساحتنا العربية: الصراع المحتدم بين العلمانية والإسلام السياسي، وهنا أقول: الإسلام السياسي وليس الدين، ذلك لسبب بسيط، هو أن العلمانية تعني رؤية العالم أو الواقع والتعامل معه بشكل موضوعي بعيداً عن الأحكام المسبقة والمطلقة العاطفية أو الأخلاقية أو الدينية العامة، وهذا يعني الالتقاء ومفهوم العلم بمعناه الموضوعي، ولا يعني رفض الدين أو القيم أو الأخلاق أو التراث، أو البعد الروحي للإنسان، ولا يعني رفض الهوية الذاتية أو القومية. وهنا يمكن القول: ليس بالضرورة أن يكون كل علماني غير مؤمن أو غير مسلم، أو ملحد، وبالمقابل ليس كل متدين أو مسلم غير علماني.
في هذا الصدد يكثف المفكر المصري التقدمي محمود العالم القول (إن الخلاف ليس بين العلمانية والإيمان، إذ من الممكن أن يتعايشا وأن يتفاعلا وأن يتعاونا، وإنما الخلاف بين العلمانية من ناحية، والفهم الأصولي للدين، والفكر الديني المتعصب الذي يتسم بالجمود والنصية الحرفية واللاتاريخية والإطلاقية المتزمتة والنزعة الاستعلائية الإقصائية. إن العلمانية ليست فقداناً للهوية، وتقليصاً وطمساً لإنسانية الإنسان، وعمقها الروحي والثقافي وخصوصيته القومية، وليست قمعاً لمخيلته ولقدرته المعرفية والإبداعية. وإنما هي رؤية وسلوك ومنهج يحمل الملامح الجوهرية لإنسانية الإنسان، ويعبر عن طموحه الروحي والمادي للسيطرة على كل المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته وازدهاره إلى غير حد. وهي ليست صيغة واحدة نهائية إطلاقية، بل جهدٌ متراكم من الخبرات والتضحيات والنضالات عبر التاريخ الإنساني المشترك رغم ما فيه من خصوصيات واختلافات. إنها طريق فسيح صاعد لكل قوى الخير والعدل والديمقراطية والاستنارة والتقدم والإبداع، سواء كانت منطلقات هذه القوى قومية أم ماركسية أم يسارية أم إسلامية. فالعلمانية هي أساس للديمقراطية ومرتكز لها، لأنها تفترض بل تحتم التعدد والتمايز والتغاير والتجدد والتطور والنقد والتجريب والتجاوز. ولا تحتكر الحقيقة بحسب ثوابت مطلقة، ولا تسقط الخلاف والاختلاف في وهدة الإقصاء، والتكفير والإبادة الجسدية).ويضيف العالم: (ينبغي التمييز بين علمانية الحضارة الغربية الراهنة التي هي حضارة إنسانية عامة لعصرنا، وبين نظامها الرأسمالي الإمبريالي الذي يسيطر على العلم والنهج العلماني ويفرغهما من مضمونهما المعرفي والإبداعي الإنساني، ويوظفهما خدمةً لأهدافه ومصالحه الاستغلالية والتوسعية).
إن التعامل مع العلمانية فكراً وتطبيقاً لا يأتي بمعزل عن خصوصيات كل مجتمع من حيث مسارات تطوره المادي والروحي، وإن كان من خطأ في تجربة التحديث العلماني لأي بلد، فهذا يعود لخطأ في المنهجية العلمانية التي ينبغي أن تراعي التمايزات والاختلافات والخصوصيات. وهنا يجدر القول: على علمانيي بلادنا مراعاة طبيعة الثقافة السائدة في مجتمعنا، والتي يشكل الإسلام جوهرها، إضافة إلى الخصائص التي تميز مجتمعنا الفلسطيني عن غيره من المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى.
إن الفرق الجوهري بين من يؤمنون بالعلمانية من ناحية نظرية وتطبيقية، وبين الآخرين ممن يعتقدون بأفكار مطلقة الصوابية وامتلاكهم الحصري للحقيقة، يتمثل في أنهم يفتحون الآفاق لكل فئات المجتمع للتفكير والاعتقاد وممارسة قناعاتهم بما لا يضر الآخرين، وبعيداً عن أن يُفرض على المجتمع مساراً محدداً للتطور، أو ليرغم أفراده على الالتزام بما لا يريدونه.
هناك فرق بين فكر يساوي بين أفراد المجتمع ويحترم إنسانية الإنسان، ويؤمن بالشراكة ويكفل الحريات العامة والخاصة لأفراده ويلتزم بالقانون، وبين فكر يفرق بين الناس على أساس المعتقد والانتماء السياسي، ويعتمد الإقصاء والتكفير والتخوين نهجاً في التعامل مع كل من يخالفه الرأي، ويتعامل مع الديمقراطية بطريقة انتقائية وبما يخدم مصالح جماعة بعينها، ويحاول فرض أجندته الخاصة على جميع أفراد المجتمع وصولاً إلى نمط اجتماعي محدد.
إن جميع المؤمنين بأهمية علمنة بلادنا، أي كانت منطلقاتهم الفكرية بحاجة لأن يتوحدوا في الدفاع عن هذا النهج الإنساني الحضاري، وأن لا يترددوا في شرح وتوضيح المضمون الحقيقي الحضاري للعلمانية، وكيف أنها تشكل مرتكزاً أساسياً لوحدة المجتمع وتطوره، وأن يتصدّوْا بكل جرأة لكل الذين يحاولون تشويه ذلك، بواسطة وضع العلمانية في تعارض مع الدين، عليهم أن يوضحوا أن هناك فرقاً بين الإسلام السياسي وبخاصة فكره المتشدد، وأولئك الذين يوظفون الدين خدمة لمصالحهم الدنيوية تحت شعار (الحاكمية الإلهية)، وبين جوهر ومضمون الدين القائم على الحرية والتسامح والوحدة، واحترام الإنسان كقيمة غالية مهما كان انتماؤه السياسي أو الفكري أو الاجتماعي، وما يسمح بالتعددية وتداول السلطة عبر صناديق الاقتراع، ونبذ العنف المجتمعي بكل أشكاله وأساليبه. عليهم أن يؤكدوا حقيقة أن العلمانية هي من يحترم الأديان وجميع المعتقدات، وهي من يفتح الآفاق واسعة أمام كل الذين يؤمنون بالأديان ويحرصون على ممارستها بعيداً عن أساليب الفرض أو الإكراه.
وعندما تدعو العلمانية لفصل الدين عن السياسة، إنما هي بذلك تحمي جوهر الدين النبيل والإنساني من شوائب وممارسات قوى الإسلام السياسي الدنيوية بكل تجلياتها، وتفتح المجال واسعاً أمام علاقة الإنسان بربه بعيداً عن المسارات الفكرية التي تريد استلاب إرادة الفرد وفقاً لتوجهات محددة، وأحياناً متعارضة تربك المجتمع، وتضفي طابعاً صراعياً تناحرياً بين القوى السياسية، حتى تلك التي تنطلق من ذات الدين والمعتقد. كما أن العلمانية تضع هذه القوى أمام حقيقة ممارساتها التي تعبر موضوعياً عن مصالحها الجماعية والفردية المغلفة بطابع ديني، وتفضح حقيقة خوفها من حرية الفرد والمجتمع، لأن في ذلك تعارضاً صارخاً مع نهجها القائم على الاستحواذ على إرادة الجماهير أو السيطرة على الحكم بإرهاب المجتمع باسم الدين، والادعاء بأن من يخالف نهجها وسياستها إنما يخالف تعاليم الله!
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني.