مثقفون ولكن..
يعاني المثقف العربي اليوم أزمات حادة، سواء على الصعيد النفسي أم العملي. قد يعود ذلك إلى الأوضاع العامة الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية التي انعكست على المثقف وجعلته ينكفئ على ذاته ليدخل مرحلة من الركون والسكون، أو يتنحى عن دوره الرئيسي الذي رسمه له التاريخ، ليتحول من عنصر مؤثر في محيطه وفاعل في مجتمعه، من شخص مسؤول ينتقد الواقع ويتحدث بجرأة وصراحة عن أسباب تخلفه، مستنهضاً همة المجتمع لتأمين متطلباته الرئيسية التي تقف عائقاً أمام تطوره، إلى شخص مسؤول لكن من نوع آخر استطاعت السلطة تدجينه بالمناصب والمسؤوليات الرفيعة، ليصبح أداة بيدها فتختلف نظرته للواقع، ليصبح الاستعمار برأيه هو سبب كل هذا التخلف. عندئذ يتحول المثقف إلى نعامة تدفن رأسها بالرمل متعامية عن رؤية الحقيقة حولها، فترى الواقع بخير مادامت هي بخير. ويمكن هنا أن نطلق على هؤلاء وصف مثقفي السلطة بدلاً من مثقفي الجماهير.
وهناك غيرهم ممن يصفون أنفسهم بالمثقفين، هم أنفسهم يطمحون أن تجندهم السلطة في ركابها، إنهم المثقفون الانتهازيون الذين يتغيرون بتغير الأجواء، ويميلون حيث الريح تميل، هم أشبه بشعراء التكسب الذين يكسبون رزقهم بألسنتهم.
وهناك أيضاً ممن يمكن تسميتهم بالمثقفين المتكلمين، وهم الذين يتقنون صناعة الكلام في قالب من الفصاحة بحيث يفتنون السامع بقوة خطابهم وبلاغة مفرداتهم، يستعرضون ما لديهم أمام أي كان بمناسبة أو بغير مناسبة، لا يفعلون شيئاً سوى الكلام والثرثرة والتنظير، هم مجردون من كل مبدأ أو هدف أو رسالة، لذا هم عبارة عن كائنات لغوية أدمنت الثرثرة مع المشروب كعادة من عادات المثقفين الأصيلة.
هل الكلام واستعراض العضلات هو نوع من إرساء الوجود وإثبات الذات؟
هل يثرثرون لأنهم لا يفعلون، أم لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا؟
هل هم واعون لحقيقة أنهم يفعلون شيئاً ويمارسون في حياتهم شيئاً آخر؟
ونحن معشر البسطاء نعجب بهم عندما نقرأ عنهم، ننجذب نحوهم، ننبهر بحديثهم عندما نسمعهم، نؤخذ بأفكارهم ونتمنى أن نعرفهم أو نتعرف عليهم عن كثب. ولكن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، لأنك ستدرك أن من ينادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان، يتحدث عنها لأنه يريدها له وحده، وليمارس بواسطتها المزيد من الاستبداد والقهر.
وأن من ينظِّر عن الاشتراكية والمساواة والعدالة الاجتماعية، فستراه يسكن أبراجاً عاجية ويمارس استغلال من حوله ويستعبدهم.
وستدرك أن من يتحدث عن المبادئ والمثاليات والقيم، هم خير مثال عن الوصولية والانتهازية والنفاق.
وأن من ينادي بحرية المرأة وحقوقها، يريدها لكل النساء اللاتي لا يخصصنه، ومن زاويةٍ تحقق له أغراضاً ومآرب معينة.
وأن من يتحدث عن التقدم والنهوض والحضارة هم الذين يقفون عقبات في هذا الطريق.
رحمك الله أبا حيان التوحيدي عندما قلت مترجماً شعورك بالغربة عن تفكير بني قومك ذلك الوقت: (إلى متى نقول بأفواهنا ما ليس بقلوبنا؟ إلى متى ندَّعي الصدق والكذب شعارنا ودثارنا؟ إلى متى نستظل بشجرة تقلص عنها ظلها؟ إلى متى نبتلع السموم ونحن نظن الشفاء فيها).
ونتساءل نحن: متى يصبح المثقفون وسطاء حقيقيين بين المجتمع والسلطة ويحققون المصالحة التاريخية بينهم؟
متى يعود المثقف فرساً لا يكف عن الصهيل والقتال حتى اللحظة الأخيرة من الرمق الأخير.
وأين هم المثقفون الحقيقيون.. إنهم موجودون بالفعل لكن أين هم؟