ما يشبه الحلم
تكاثفت أحلام المواطن لدرجة أنه لم تعد ذاكرته تضيف إلى قائمة الأزمات أي اسم جديد. ونبتت لعصافير الأحلام أجنحة، فهجرت أعشاشها وغرَّدت خارج السرب.. ضاعت بين غيوم الألم والبحث عن لون غير اللون الأحمر!
أصيبت مائدة المواطن بالجفاف. وبدأ اللون الأحمر يغيب عنها، حتى البندورة شكّلت فراراً، فوصل ثمن الكيلو إلى مئة ليرة. وهذا لم يحدث في تاريخ البندورة القديم والمعاصر. وقد كانت دائماً سنداً وداعماً لمائدة الفقير. فكيف الحال باللحمة الحمراء؟
لا يرغب المواطن الذي عاصر ثمانينيات القرن الماضي، أن يتذكر كيف كان يؤمن علبة المحارم الورقية والخيار والليمون والبندورة والسمنة! وكيف كانت الابتسامة تشرق مذهَّبة ساطعة وهو يكشف عن أسرار ما هو موجود في أكياس النايلون!
ومن يقصد سوق الخضار في أي منطقة من دمشق، يلاحظ أن لكل بائع أسعاره الخاصة به.. وهذا شيء من (الحرية) كما يزعمون! ولا أحد منهم يقبل الحوار في الأسعار، ولا في تربية الإبل وصناعة صابون الغار!
وفي حادثة تكررت بأشكال مختلفة.. أما الحكاية فقد جاءت على لسان أحد الأصدقاء، أن مواطناً في حافلة النقل الداخلي كان يحمل الكباب الحلبي. وعندما اخترقت الرائحة اللذيذة والبهارات الهندية أنف أحد الجائعين، سرعان ما اندفع كالصاروخ وخطف الكيس وفرَّ هارباً!
وما يشبه الحلم أن الاقتراب من لحم الغنم أصبح مخيفاً، فسعر الكيلو في حماة التي تعد اللحوم فيها أقل بأربع مرات في غيرها من المحافظات، أصبح 1200 ليرة! أما في دمشق التي تضاعف عدد سكانها فهو 1400 ليرة!
نتف الغلاء ريش المواطن. ولم يعد قادراً على الطيران والتحليق في أحلامه الوردية! وازداد عدد الصيادين من تجار الأزمات الذين حصدوا مواسم الاحتكار وجنوا الأموال الطائلة في السنتين الماضيتين من عمر الأزمة السورية.
السؤال الذي يطرحه المواطن، الذي كان يذلل فقره بما تجود به السوق من خضار وفواكه، وفي أسوأ الأحوال فرش المائدة بأنواع الحمص(المسبحة) والحمص بالطحينة، والفول والمتبل والفلافل والطرطور والنعناع وغيرها.. والسؤال هو: الآن ثمن كيلو المسبحة بمئتي ليرة ومثله كيلو الفول، علماً أن ألوف أطنان الحمص من موسم عام 2012 ما يزال في مستودعات الفلاحين، ولا أحد يسومه!
المواطن السوري صبور وعلَّمته التجارب كيف يوزّع الألم على أيام الأسبوع، ويستثني منها أيام العطل الرسمية! وعلمته الأزمة سياسة التحمّل، وكيف يداوي أوجاعه النفسية والمادية. وكيف يحمي الوطن من مصاصي الدماء ومن المتآمرين على حياته ودوائه وطعامه ومدرسة أبنائه!
وتعلّم المواطن الدروس، وتخرج في مدرسة الأزمة بشهادة عليا وحسن سلوك. وبدأ يقلّص من تأملاته ويضيّق فسحة أحلامه، ويرسم حدود مساحتها متبعاً المثل القائل (مدّ رجليك على قد بساطك). وإذا لم يقدر على تطبيق هذا المثل يمكن عندئذ أن يطوي ساقيه قليلاً!
وحمد المواطن وشكر أن الحرارة ارتفعت في شهر آذار. ولم يعد بحاجة إلى المازوت للتدفئة أو استخدام (الدفايات) الكهربائية. وأن الطقس لا يحتاج أيضاً إلى المكيفات، أضف إلى ذلك أن الكهرباء عادت إلى سابق عهدها، وأن انقطاعها أصبح نادراً في دمشق.
ولا يريد المواطن أن تموت أحلامه بهذه السرعة. وإذا رحلت أو ماتت بشكل مفاجئ يموت معها. فلا حياة دون أحلام، ولا أحلام دون حياة..!