الجوع العلني والجوع الخفي

لم يأتِ هذا العنوان من الغيب، فالجوع زلزال ألم وثورة غضب تجتاح العالم منذ التكوين، خاصة عندما ظهر العالم النامي أو السائر في طريق التنمية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.. العالم الذي تَسْرق الرأسمالية العالمية المتوحشة ثرواته.. العالم الذي يسرق ثرواته الفاسدون والمتسلطون الذين يضطهدون شعوبهم.

لقد سجلت هذا العنوان في ذاكرتي، بعد رؤية بعض الأطفال (صبيان وينات) بعمر العشر سنوات، وكل واحد منهم يحمل كرتونة عليها شعار  يبعث على العطف والحزن وعدم القدرة على التصفيق له (نحن نازحون من مدينة… ساعدونا).

تسجل مراكز البحوث التابعة للأمم المتحدة عدد الجياع في العالم الذي تجاوز ملياري شخص في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، واستمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وازدياد الطلب على الوقود، والمضاربات على المواد الغذائية الأولية. وكان  عدد الجياع 868 مليون شخص في الفترة من 2010 – 2012 ، يقيم 852 مليوناً منهم في دول نامية يمثلون    14,9 في المئة من السكان، فيما يقيم 16 مليوناً في دول متطورة، علماً أن الموارد الموجودة في البحار والمحيطات وحدها، إذا استثمرت بشكل جيد، ستكفي سكان الكرة الأرضية. ويتوزع أغلبية الجياع في ثلاث مناطق هي: جنوب آسيا 404 ملايين، وإفريقيا خلف الصحراء 243 مليوناً، وشرق آسيا 167 مليوناً.

وتشير الدراسات أيضاً إلى أن شخصاً من كل ثمانية أشخاص ما زالوا يعانون من الجوع المزمن خلال الفترة 2011 – 2013.  ومن المتوقع ارتفاع عدد الجياع بنسبة 11 في المئة. وأن الفقراء في المناطق الحضرية هم أشد الفئات المتضررة بالنظر إلى انخفاض الطلب على الصادرات وهبوط الاستثمار الأجنبي.

لقد سجل تاريخ الشعوب القديم والمعاصر، الانتفاضات على سياسة التجويع، والثورات التي قامت من أجل حياة كريمة، وتأمين الطعام والمياه النظيفة والعلاج والعمل لمئات الملايين في القارات الخمس.

ومن أكثر الأوبئة انتشاراً في الألفية الثالثة وباء الجوع العلني والخفي. ومن نتائجه وفاة ما يزيد على ثلاثة ملايين طفل سنوياً ولدوا ناقصي الوزن بسبب جوع الأمهات.. ويكفي أن ينظر أي شخص إلى صورة واحدة لجياع إفريقيا التي تبعث اليأس وتهزّ الشعور الإنساني. وبينت الدراسات أن واحداً من كل سبعة أشخاص ينام جائعاً.. وسيدفع تغير المناخ وتبدلات الطقس بنحو 24 مليون طفل إلى الجوع، خاصة بعد أن فشل برنامج الأغذية العالمي في إنقاذ الجياع.

هناك ما يسمى (الجوع الخفي) الذي يعاني منه مليارا شخص.. ويعيش هؤلاء على نظام غذائي محدود، فيتناولون الطعام ذاته يومياً. فمثلاً تشير الإحصاءات إلى أن 100 إلى 140 مليون طفل يعانون من نقص فيتامين (أ). كما يصاب نحو مليونَيْ طفل سنوياً بمشكلات خطيرة في حاسة البصر. وأن ما بين 250 ألفاً و500 ألف يصابون بالعمى.

السؤال: من هم الجياع؟ وعلى من تطلق هذه التسمية؟

جاء في دراسة منظمة الفاو، أن فقراء الريف الذين لا يملكون ما يكفيهم من الغذاء والكهرباء والمياه الصالحة للشرب في المجتمعات النامية هم الأكثر جوعاً، إضافة إلى فقراء المدن القادمين من الأرياف أصلاً. وبعد أن كان يسكن زهاء ملياري شخص في المدن في العام 2000 ، سيرتفع عدد سكان المدن في عام 2030 إلى أكثر من الضعفين.. وهذا التوسع سيرفع أيضاً عدد الفقراء فيها.

إن العالم مقبل في السنوات القادمة على ثورات الجياع، بسبب تراكم الأسباب المؤدية إلى ذلك وعدم إيجاد الحلول السريعة، وازدياد عمليات النهب والاستغلال وتفاقم الأزمات الاقتصادية والحروب ونهب الثروات من قبل الطبقات الرأسمالية التي تتبع سياسة التجويع والتركيع.. فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقراً.. والجياع يفقدون الأمل في حياة كريمة..!

العدد 1190 - 11/03/2026