ماذا بعد أن تخلّت الحكومة عن خطوطها الحمر؟!
لم يعد خافياً على أحد أن المواطن السوري منذ بداية الأزمة، ومع معاصرته أكبر الموازنات قد بات على قناعة تامة بأن أيّ أزمة في أي سلعة تعني بالضرورة رفعاً جديداً لسعرها بصرف النظر عن نتائجها على الدورة الاقتصادية في مجملها وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية لليرة السورية. وإذا كان للضرورة أحكام، فما هي أحكام الجرعة التي تلقاها المواطن السوري برفع سعر كيلو الخبز من 9 ليرات إلى 15 ليرة والتي تبعها رفع أسعار المواد التموينية ( سكر- أرز) من 25 ليرة للكيلو إلى 50 ليرة؟! وماذا عن الشائعات التي يتداولها البعض، وتتحدث عن رفع أسعار المحروقات وهل هي وحي خيال بعض المسؤولين؟!
رفع الدعم عن بعض السلع والخدمات في ظل محدوديّة الدخل وعدم توافره لدى الكثيرين بسبب إغلاق المنشآت التي كانوا يعملون فيها بسبب الظروف الراهنة، وارتفاع معدل التضخم إلى مستويات قياسية، خلق ظروفاً معيشية صعبة وأثر سلباً في الوضع الغذائي والصحي والتعليمي للمواطن، فبدلاً من التفكير بتخفيض تكاليف الإنتاج رفعت الحكومة الدعم بتحرير الأسعار وزيادتها وتحميل المواطن الفروقات والتبعات الناتجة.
ووفق الموازنة العامة للدولة لعام 2014 والبالغة 615 مليار ليرة فإن حجم الدعم الاجتماعي المعلن ونصيب الفرد الواحد هو 24600 ليرة، إذا اعتبرنا أن عدد سكان سورية نحو 25 مليون نسمة، فهل خطة الدعم – مثل مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي- تعاني منذ زمن طويل غموضاً يتجلى في عدم القدرة على تغطية الشرائح المستهدفة وتبخر الأموال قبل صرفها فضلاً عن استحالة إحصاء أعداد المستحقين أو استهداف فئات بديلة ؟!
أعتقد أنه لكي لا يكون الدعم لمجرد الدعم فلابد من توزيعه على القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية، بما يسهم في التقليل من حجم التفاوت الاجتماعي وتخفيف حدّة الفجوة الحاصلة بين الدخل والقدرة الشرائية، إضافة إلى تحقيق مستوى اجتماعي ومعيشي أفضل للطبقات الأكثر فقراً، فالمستهلك يتلمّس قيمة الدعم من الفارق بين سعر السلعة المدعومة في السوقين النظامية والسوداء، كما هو الحال في مواد السكر والرز والخبز والمازوت، أو الفارق بين سعر السلعة في السوق الداخلية وسعرها في الدول الأخرى ولاسيما في دول الجوار.
لابد من أن يرتبط الدعم قبل أي شيء بسياسة واضحة تشرف عليها الجهات المعنية حتى يحقق أكبر قدر ممكن من التوازن بين تكلفة السلعة وسعر بيعها بما يتناسب ومتوسط دخل المواطن، كما أنه لابد من اختيار صناعات ومواسم زراعية محدّدة يوجّه إليها الدعم حسب أهميتها للاقتصاد الوطني، ولاسيما القطاع الزراعي، لتراجع دوره في الناتج المحلي الإجمالي وتوالي موجات الجفاف والتقلبات المناخية وتأثيرها في المحاصيل الصيفية والشتوية معاً وتضرر مواسم بأكملها .
(النور) كالعادة التقت عدداً من المواطنين الذين تحدّثوا عن الآثار الارتدادية لهذه القرارات من وجهة نظرهم:
السيدة ميس خليل (علم اجتماع) تحدثت عن أثر رفع الدعم عن بعض السلع بالقول: أنا لست مع رفع الدعم لأن من سيتأثر بذلك هو الطبقات المحدودة الدخل وكأن لسان حالهم يقول ( فوق الموتة عصّة القبر) .. الطبقات الغنية لن تتأثر أبداً بذلك . أخشى ما أخشاه أن تتدرّج الحكومة في رفع الدعم عن الكثير من السلع، وبذلك ستجد الطبقات الفقيرة نفسها وهي تنتقل من أزمة إلى أزمة ومن مأزق إلى آخر.. أعرف تماماً أن البلد يمر بظروف صعبة وأن الجميع تأثّر، ولكن الأكثر تأثّراً بالأزمة هم طبقة الفقراء وذوو الدخل المحدود.
إبراهيم وسوف تحدث عن تلك القرارات بالقول : أنا مع الزيادة وهي عادية، لأننا لو نظرنا إلى الإسراف الذي يمارسه البعض وكأننا لسنا بأزمة وزيادة دخل بعض الناس ولكن لا ندري من أين !. رفع سعر الخبز والسكر والأرز عادي، فالمواطن مستعد لشراء علبة المعسّل والمتّة مهما كان سعرها ولا يهمّه، ولكنني استغربت انزعاج البعض من رفع سعر ربطة الخبز .. برأيي هذه الزيادة على الأقل لم تعد تعطي للبعض الفرصة بتقديم الخبز علفاً للدواب والدواجن .
نبيل حبيب يرى أن الحكومة بعد زيادة سعر الخبز إلى 15 ليرة للكيلو الواحد وزيادة سعر السكر والأرز التمويني إلى 50 ليرة .. أعتقد أنها تفكّر الآن بزيادة سعر المازوت والبنزين، وبعدها قد تصدر الحكومة زيادة على الرواتب والأجور هي بمثابة إبرة تخدير.. الأرز الذي نستلمه مسوّس وهذا له قصة، ومستحيل أن يشتروا غير رز مسوس مخالف للمواصفات القياسية السورية والعالمية من حيث نسبة الحشرات وفي النهاية (لازم ينكتب عليه: غير صالح للاستهلاك البشري)!!
فهد وسوف من الدريكيش تحدّث بكثير من الغصّة والغضب عن تلك القرارات، فقال: ما بين (منحبك) و(منحبّو أكثر منك) ضاعت صرخة الوجع.. صرخة طبقة عندما كانت سورية بخير كانت مسحوقة.. تذكروا أن جائعاً أكثر لن يلبّي متطلبات طاحونكم.
نبراس علي من صافيتا أبدى أسفه للحالة التي وصلنا إليها وقال: الحالة التي يعيشها الوطن والمواطن حالة لا يحسدان عليها، فكلاهما يعاني الكثير والكثير من مخلفات الأزمة. طبعاً لن أدخل في سجال الأحداث العسكرية والحرب الكونية سواء أكانت العسكرية أم الاقتصادية أم الفكرية أم الإعلامية… لا بل أزمتنا حالياً هي أزمة أخلاق البائع أو المحتكر.. فضلاً عن أن هناك مَن يفسّر ما يجري و خصوصاً في هذا الوقت الراهن من غلاء فاحش في الأسعار وخصوصاً أسعار المواد المقننة، أرجعه البعض إلى أنَّ من حاول كسر عزيمتنا و تصدينا لهذهِ المؤامرة، تسلل إلى بعض المواقع الحساسة هنا وهناك وأصبح يلعب ويتلاعب بالأسعار، سواء مواد التدفئة أو غيرها، كذلك وصل الأمر إلى التدخل في رفع أسعار المواد المقننة، وهنا كانت المصيبة التي بدأ يعانيها مجتمعنا السوري وخصوصاً في ظل هذهِ الأوضاع الاقتصادية المتردية.
قيس عمران (صاحب محل ألبسة بالدريكيش) يرى أن رفع سعر ربطة الخبز هو قرار صحيح لكنه يتمنى ألاّ تزداد السرقة وأن تتحسّن نوعية الرغيف.. طبعاً هناك بعض من يقدم الخبز علفاً للحيوانات بسبب غلاء العلف ورخص سعر ربطة الخبز.. وبالنسبة لرفع الدعم عن السكر والأرز فأنا لست مع رفع الدعم، لأن الأرز يأتينا مسوّس وسيئ وسعر السكر كما هو يكفي.
بعد كل هذا اتصلنا مع مدير المؤسسة الاستهلاكية بطرطوس علي سليمان فقال: لا تزال الحكومة تتحمّل القسم الكبير من الدعم، فكيلو السكر الواحد الذي بات ب 50 ليرة يتم استيراده بنحو 90 ليرة فالدولة تتحمّل 40 ليرة دعماً وبالنسبة للأرز فالحكومة ايضاً تتحمّل نحو 30 ليرة.. علينا أن نساند الدولة في هذه الظروف اللعينة.. أعلم تماماً أن الطبقات الفقيرة قد تأثرت كثيراً بما جرى.
عضو المكتب التنفيذي في المحافظة لقطاع التجارة الداخلية سائر العاتكي أعرب عن تأييده لقرار رفع الدعم أو إعادة دراسته بحيث يصل إلى مستحقيه الفعليين، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن يأخذ ربطة الخبز من يملك الباخرة وصاحب الدخل المحدود ومن لا يملك شيئاً بالسعر نفسه متمنياً أن يتحسّن واقع الرغيف تحسناً لافتاً. وفيما يتعلق بموضوع رفع الدعم بشكل جزئي عن التموين العائلي أكد أن الحكومة لا تزال تدعم هذه السلع بالرغم من الزيادة الأخيرة على سعرها.
أخيراً : إذا كان الغلاء قد نظّف جيوب المستهلك من دون ( إحم ) أو ( دستور) وسط اكتفائه بشكوى ذاتية ضمنية، بعد أن بحّ صوته دون أيّة نتيجة مع تردي الواقع المعيشي أكثر، بعد أن بات ما وفره من مال – على قلّته – بيد أصحاب الذمم المطاطة الذين استغلوا الظروف الراهنة، فراكموا ثروتهم منطلقين من مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). فإن نطاق الأزمات للمواطنين يتزايد يوماً بعد يوم، وقد انتقل ليطولهم ببعض القرارات الحكومية الأخيرة التي تباينت آراء المواطنين حولها، مع رجحان من استهجنها وتخوّف من تكرارها، وأن تطول سلعاً ومنتجات أخرى..!