الكلمة مرآة العقل
يبقى الإنسان كهفاً مظلماً، وطريقاً غير معروفاً، غائم المعالم، وكنزاً مدفوناً، وصندوقاً مقفلاً، حتى يتكلم، فالكلمة وجه المرء. بها يعرف، ومن خلالها يحكم على عقله ووعيه وثقافته.
إن الإنسان شجرة، والحكم على الشجرة يأتي من طعم ثمارها، وعطر أزهارها، إنما العمل هو الجذر، فالجذر هو الهوية، والعطر هو الصورة، فإن كان الجذر أصيلاً، طيباً، فاح عطر أزهاره وملأ المكان فتجمع حوله البشر.. وإن كان جذراً خبيثاً، لئيماً، فاح عطر أزهاره أيضاً، لكن لا يجد حوله إلا الحشرات.
إن الكلمات، مقروءة أو مسموعة أو ملموسة، طاقة عظيمة لتغذية عقل الإنسان وروحه، بها يرتفع، ومن خلالها يرتقي ويسود، ويصعد سلم الكرامة والعفة والشهامة، إنها الجذر الذي يغذي الجذع والثمار والأغصان، مثلها مثل أي بئر عذبة تسقي الحقل والسهل، فبالكلمات العظيمة المعبرة الحكيمة يستطيع الإنسان الواعي الفهيم أن يجتاز الكثير من الصعاب، (مثل المياه التي لا تعرف المستحيل، فهي، وبكل سهولة ورقة تتخطى السدود، وتتغلغل في أساس أي بناء).
والكلمات إذا لم تحمل أفكاراً ثقيلة مثلها مثل الدخان، سريعاً ما ترتفع بفراغها وتتلاشى، فالجمر يبقى لأنه ثقيل، والرماد يتطاير لأنه خفيف.
(وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه فإن كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً بعيداً عن الاستكراه، منزهاً عن الاختلال، مصوناً عن التكلف، صنع في القلب صنع الغيث في التربة الكريمة).
إن المثقف النبيل، صاحب الرأي السديد والمواقف الكبيرة، يشبه كثيراً زهرة اللوتس، تلك التي نجدها في المياه العكرة، لكن تطلعاتها ونظرها دائماً نحو السماء.
ألا نجد من حولنا مفكرين كباراً، ومثقفين عظماء، يحيط بهم الوحل، لكنهم لا يكترثون لأن أهدافهم وسماتهم أعلى وأغلى من الطين والوحل، كلماتهم لا يفهمها إلا الكبار، وأعمالهم لا يقدرها إلا العظماء.
(وبالإصبع ذاته قد تشير إلى مواضع عدة، وهكذا هي الحال مع كلمات المبدعين، وأحرف الفلاسفة، قد تعطيك معاني لا حصر لها يستعيضون بأقوالهم عما عجزت عنه أفعالهم.
إن الكلمة العظيمة لا تصدأ أبداً، ولا يطولها الغبار، إنها قطعة من ذهب، لكنها أغلى بكثير من الذهب، إنها جزء من بناء أساس أية قلعة عالية، ولا يمكن لأي حجر في قلعة أن يبقى صامداً ما لم يكن في مكانه المناسب.
الكلمة.. وهج ونار.. تحرق آذان الجاهلين، وتنير قلوب العارفين.. الكلمة الجميلة المبدعة أشبه بالوقود، فهي تزودنا بالطاقة، كي نحيا ونعيش مع من حولنا.. إنها نور وضوء، (وبقدر ما يكون المرء مستعداً لتلقي الضوء يرى النور آتياً إليه): هل يمكنكم رؤية وجوهكم من دون مرآة؟!
هكذا هي الكلمة، مرآة تفصح عن الأقنعة، فتظهر لك عقول الآخرين.
(إن في الكلمة سر عظمتك وحقارتك، وسر هنائك وشقائك، إذا أنت امتهنتها امتهنتك، وإذا أنت قدستها قدستك.. وكلما قلّلت من الكلمات، ازداد الإصغاء إليك، فإذا أردت أن تكون لاذعاً فكن مقلّاً، لأن الكلمات كأشعة الشمس: كلما كانت مكثفة كان حرقها أعمق.
وإن سحر الكلمة العظيمة هي في قدرتها على جعل الإنسان يعتقد أنه هو وأنت رائعان).