الانتماء والهوية… وتراب فائق العذوبة

انتماؤنا وهويتنا هما انتماء وهوية متفردان في المواصفات والخصوصية، متفردان في القيمة والمعنى والنكهة التي تحتضن ذاك الانتماء، وتلك الهوية.. نكهة لها علاقة خاصة بتراب فائق العذوبة، ننهض من سريره الطيني المعجون بالدمع والعرق والدم، نصول ونجول في مفارق الحياة مشرّقين ومغربين، وحاضرين، حيث يكون الحضور فاعلاً وحيوياً، وذا قيمة، وغائبين حيث الغياب متعة الوجد لروح تصبو لمطلقها، ووجدان يذهب في معارج الكلمة إلى منتهاها القصي، وخافق يذوب على وسادة حلم، وسرير حافل بالشعر والغناء، وأنين قصب النايات الموجعة تلك التي تندس بين العرائش والعرزال، فتنبث في ترانيم المساءات القادمة مع الريح وأجراس القطيع القادم من التلال البعيدة، وهسيس العشب عبر الحقول الشاسعة المترامية بين تعب النهار، واستراحات المساء مع البوح والذكريات.. فإذا ما أصبح هذا كله متعة الذاكرة حول المواقد في ليالي برودة الأجساد، وارتعاش الخطوات في محطات السفر الأزلي الطويل، عدنا بالسرير الطيني تلك العودة التي لا بد منها، ولكنها عودة فائقة العذوبة لتراب فائق العذوبة أيضاً استنبتناه وطناً، وشعراً، وأغاني شجية البوح والترداد، تظل قائمة في الأحفاد والأجيال، بيهاء فيوضها، وصفاء نقائها، وزلال نداها الذي يمتزج بالتراب والأجساد، والذكريات، ليصبح هذا كله، فيما بعد، علاقة فائقة الخصوصية قائمة للأزل بين وطن وأمة وتراب يشكلون أعظم قيمة مسماة في الدهر، وهي قيمة المعنى لانتماء وهوية تشكّلا بقيم ومعايير ومواصفات لا ثنائية لها في الحياة مماثلة في التعبير والتشكيل! لذا فنحن من بين أمم الأرض قاطبة من نملك مفاتيح أسرار شخصياتنا وعواطفنا، وأيضاً قيمة ما يحمله تراب هذي الأرض التي تربت على الآه والوجع، ثم فاض غناؤها.. عذباً شجياً دائم الترداد عبر حقول الله الواسعة.

لا نتصور كوكباً آخر يحمل مواصفات كوكبنا ومزاياه ومكوناته.. لا في منظومة مجرتنا ولا في منظومات المجرات كافة. كوكب متخم بالفوضى والمتناقضات والمتضادات الممتعة: حزن وفرح، بكاء وغناء، ليل ونهار، وجد وضغينة، سكينة وطمأنينة وصراعات، ومع هذا فإن الشعر ولد من نقيض هذا كله، والجمال، والصبابات، ودفء الأسر، والأسرّة، منظومات تشكلت من حيوية المتضادات والمتناقضات، والإبداع تأسّس على تخوم كوكب كما يغصّ بالموجعات فإنه أيضاً يضج بالجماليات الخارقة، واستطاع الفكر الإنساني أن يستوعب الأشياء كافة بقبحها وجمالها، وأن يسخّر ما حوله لصالحه الخاص والعام، وأن يصوغ التدفق الحيوي وفق المنطق الإنساني والمعقول والدائم، على الرغم من كثافة المستحيلات واللامحتمل فوق هذا الكوكب الأرضي القائم على تصور التفرد والوحدانية بين منظومات الكواكب والأفلاك! ولولا الكائنات لما كانت حياة، ولولا الفصول لما كانت تعاقبات، ولولا الليل والنهار لما عرفنا روعة الضوء، ووحشة العتمة، ولولا البسمة لما عرفنا معنى الغبطة، ولولا الدمعة لما عرفنا معنى الكآبة، ولولا الحدائق والحقول لما تسربل الفراش والطيور والأنهار والينينابيع بموشحات الغناء التي أتقنتها بمنّة المبدع الذي أبدع التسبيح والغناء على كل لسان.. ولعل اللسان العربي هو منة المبدع الأعظم فيما أبدع.. حيث عمل الوجدان واللغة على تأسيس هذا المنطوق العربي برونق وبهاء وسحر لا مثيل ولا شبيه لها على امتداد الكون كافة. متصاعدة بروعة الترتيل والترنيمة حتى يأخذها القرآن بسحره الخالد، والترانيم الإنجيلية بموشاتها الموجعة! هذه الأرض.. أرضنا أرض الأنبياء والحضارات والشرائع والنواميس والشعر والغناء والتاريخ، والألواح والمزامير التي جعلت لهذا الكوكب قيمة الصعود والارتقاء من الوجود إلى الخلود بقيمة الفعل الإنساني، ونحن الأحق بهذا الفعل قيمة وارتقاء يمثلان روعة الهوية والانتماء بطلاقة الكلمة والفعل الخلاق.

العدد 1140 - 22/01/2025