أولية المشكلة الاقتصادية في الأزمة السورية بانتظار الحل السياسي الحالة المعيشية تزداد سوءاً

يصر بعض المسؤولين الحكوميين، على أولية الجانب السياسي، لحل كل ما يتعلق بالأزمة السورية، عقب 25 شهراً متتالية من ولادتها، ويشترط هؤلاء إنجاز الحل السياسي، تمهيداً لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت أيام المواطنين سوداً، وأثقلت كاهلهم، ودفعت بهم إلى أماكن لا يرغبون فيها، ومستويات لا تعبر إطلاقاً عن تطلعاتهم. وريثما يأخذ الجانب السياسي في الأزمة مداه، وينطلق، وينال ما يستحق، هل يبقى الجانب الاقتصادي، وتبعاته الاجتماعية المختلفة، على لائحة الانتظار؟

من الصعوبة بمكان، تجريد الأزمة السورية، وفصل معطياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية.. إلخ بعضها عن بعض، ومن هنا يبرز الجدل حول إعطاء الأوليات لمعطى على حساب آخر. إلا أن الجانب الثاني للقضية له علاقة مباشرة بعدم الخوض بإجراءات عملية، لابد من اتخاذها، حكومياً، لتخفيف وطأة الأزمة في شقها الاقتصادي، وتداعياتها، وحدتها، وانعكاساتها المباشرة على الناس. فلا مبرر مقنعاً لتجاهل هذا الجانب المهم والحيوي، الذي يرتبط باحتياجات المواطنين وتلبيتها، من غذاء، ودواء، ودخول مناسبة، وفرص عمل تليق بهم.. إلخ. وهذه بلا شك تحديات هائلة، وقضايا عجزت عنها الحكومات السابقة أيام الراحة الاقتصادية ـ إن صح التعبير ـ والهدوء والاستقرار، ولم تتمكن من تنفيذ جزء بسيط من الخطط الرامية لمعالجة ملفات البطالة، والأسعار المرتفعة، وتأمين الاحتياجات الضرورية، بما يتناسب مع الدخول والرواتب والأجور. وكان الفشل الذريع حليفاً دائماً لحكومات سابقة، انتهجت سياسة اقتصادية مجحفة بحق المواطن، وأعطت قوى المال القادمة تحت لافتة المستثمرين أفضلية، فتركت الاستثمار الحقيقي الإنتاجي، ويممت وجهها ومالها نحو الاستثمار الريعي الخدمي، فكانت الكارثة بكل ما تعني الكلمة من معنى، كارثة اقتصاد عاش عقوداً يبني بنيته التحتية على أساس قطاعات الإنتاج الحقيقية. ولحظة فتح أبوابه، وجد المستثمرون في الخدمات والاقتصاد الريعي ما يلبي رغبتهم، ويحقق جدوى توطين استثمارات، سريعة حركة دوران رأسمالها، فانكشف الاقتصاد الذي كان يعاني أساساً خللاً بنيوياً وهيكلياً.

وقد أدت الأزمة في سورية، إلى تعميق المشكلة الاقتصادية، ونقلها من مستويات بسيطة إلى أعماق سحيقة، ليس سهلاً تجاوزها. وما تردده بعض الأوساط الاقتصادية الحكومية، حول رغبتها في تأجيل معالجة المعضلة الاقتصادية لحين الحل السياسي، ينذر بعواقب وخيمة هائلة، كما أنه يشي بوجود فعل وحيد متاح أمام هؤلاء، هو فعل العجز، الذي يكبل إمكانية اتخاذ الإجراءات، ويحول دون السماح بتنشيط وخلخلة البنى والقوى التي لا ترغب في تقديم حل اقتصادي، على الرغم  من المآسي الكبرى التي تعصف بحياة المواطن، والكوارث المرتقبة في حال استمرار الوضع المتدهور، والعنف المتصاعد، وإراقة الدماء مجاناً. كل المعطيات على الأرض، تدفع نحو الإسراع في تخفيف الضغوط المعيشية ـ الاقتصادية التي تحيط بحياة كل الأسر السورية، وتهدد وجودها، ولا تترك لها أملاً، أو بارقة أمل، لإنقاذ ما بقي لديها من رغبة في الحياة الكريمة، بعيداً عن الابتزاز والاستبداد والقهر الممنهج الذي يمارس ضدها، من قوى مختلفة الأيديولوجيات، التقت مصالحها، لتكون سيفاً مسلطاً على رقاب المواطنين الأبرياء.

يتجاهل مسؤولون حكوميون يقودون دفة الاقتصاد الوطني، كل ما يلزم لتجنيب الأسر السورية، شرور الفاقة والفقر، ويرمون بكل ثقلهم تجاه السياسي في الأزمة، وينتظرون بوارق هذا الحل، ليفردوا فيما بعد الملفات الاقتصادية، وبذلك يكرسون حالة الجنون بحد ذاتها، ليصبحوا شركاء حقيقيين في كل ما يتعرض له المواطن من تهديد مختلف بأمنه وأمانه، ولقمة عيشه وفرص عمله، وبالتالي رسم مستقبله. فكل التجارب المماثلة، كان الجانبان السياسي والاقتصادي يسيران معاً، ولم تتجاهل القوى اللاعبة في لحظة، أن الجانب الاقتصادي بما يمثله من تأمين احتياجات المواطنين، كحد أدنى، يجب أن يُترك، مهملاً عن قصد، بل على العكس تماماً، حظي هذا الجانب باهتمام هذه القوى ورعايتها. إلا في سورية، يصر مسؤولوها الاقتصاديون، ومتخذو القرار وصنّاعه، على التأجيل كالعادة، وترحيل الملفات إلى الظروف المناسبة ـ التي لا تأتي أبداً ـ لفتحها، في حالة مثيرة للتساؤل والريبة والتخوف في آن واحد؟ ولتتسع مروحة الأسئلة: لمصلحة من هذا التأجيل؟ وما الفائدة والجدوى منه؟ وهل الأحوال الاقتصادية السائدة تستدعي تأجيلاً كهذا أم تدخلاً سريعاً ومباشراً؟

كل المؤشرات الاقتصادية تحتم الولوج للحلول الاقتصادية وعدم التباطؤ، والتخلي عن سياسة التراخي، والكف عن ترديد مقولات (الأمور جيدة) غير الدقيقة والتي لا تعبر عن الواقع أو نبض الشارع، فهناك حاجة ملحة للغاية، وماسة إلى أبعد الحدود ليحظى الجانب الاقتصادي بأوَّلية توازي الجانب السياسي. فالفقر الذي لم يعد خافياً، والبطالة التي كشرت عن أنيابها، والضغوط الحياتية المعيشية اليومية التي لا تدع لأحد أن يلتقط أنفاسه، وغيرها من المواضيع والقضايا المرتبطة بيوميات المواطن الاقتصادية، تُلزم المسؤولين الاقتصاديين، بتغيير نهجهم، وتبديل سياساتهم، وتعديل خططهم، ويتخذون ما يستحقه المواطن من قرارات وإجراءات، تصب في مصلحته، وتحافظ على كرامته.

العدد 1140 - 22/01/2025