ذكريات الصبا مع تاتشر

بما أني من جماعة محكومة بقاعدة أخلاقية لا تجيز لنا التمتع بالحديث عن مساوئ موتانا، فقد كنت مصممة على لجم لساني الطويل  عن الخوض في سيرة المرحومة مارغريت تاتشر، لولا أني رأيت أناساً من شعبها نفسه يخرجون في مسيرات ابتهاج لموت من كانوا يسمونها (سارقة الحليب) لأنها صاحبة القرار بمنع توزيع الحليب المجاني في المدارس البريطانية. وكذلك عمال مناجم الفحم لم يأسفوا لموتها. وفي الحقيقة أنا أقدر موقفهم، فما أزال أذكر منذ سنين طويلة أنه كلما فتح والدي الراديو على إذاعة ( بي بي سي) كنت أسمع عن إضراب عمال المناجم في بريطانيا، وكنت أتساءل مستغربة عن حاجة الإنكليز للفحم مع أنهم لا يدخنون الأركيلة! المهم بعد أن سمعت ما سمعته أرى أني قادرة على تحرير لساني قليلاً،ومنحه بعض الحق بالثرثرة حول العجوز التي دوختنا زمناً هي وصاحبها ريغان، قبل أن يختما مسيرتهما بأفضل إنجاز  وهو إصابتهما بالخرف في الوقت نفسه تقريباً.

  في سنوات حكمها كنت طالبة بالمدرسة، ولم أكن أعي ما يحصل بالسياسة بالضبط، لكن كان يخيل إلي أن هذا ( الجوز) يعني ماغي ورونالد، كانا يتخذان من قضية بلدنا ذريعة لستر علاقتهما المريبة. إذ لم نكن نسمع في الأخبار إلا أن تاتشر تذهب إلى واشنطن للقاء ريغان، ثم بعد أيام يهرول هو إلى لندن للقائها، وكل تلك اللقاءات بذرائع واهية كفرض حصار اقتصادي علينا مثلاً. المهم كانت ألاعيبهما مكشوفة لدرجة أنه  مرة في درس التربية القومية، وكانت معلمة المادة فتاة منفتحة تسمح لنا أن نخوض في أحاديث جانبية على هامش الدرس،فسألتنا : برأيكم ما هي العلاقة بين تاتشر وريغان؟ وبما أننا كنا في سن المراهقة، ولا شيء في عقولنا سوى قصص الحب،فقد هبت طالبة متحمسة لتجيب، وهي تداعب بيدها شعرها المسرح حسب آخر موضة، والتي كان الاسم المتعارف عليها هو (الفتيشة) نظراً لأن شكل الشعر المنكوش يظهر أن  فتيشة طقت في قلبه، قامت تلك الفتاة، وقالت: أظن أن ريغان وتاتشر يحبان بعضهما… وضج الصف بالضحك، وتقبلت المعلمة النكتة، يعني عددناها مزحة ولم نستطع وضع الاثنين في ذمتنا لأن حجمهما كان أكبر من ذممنا جميعاً.  مع ذلك مرت الأيام ودارت الأيام، وأثبتت  أن ظنون ( أم الفتيشة) لها أساس، فقد سمعت أن المرحومة تاتشر ذهبت قبل سنين إلى واشنطن لحضور جنازة ريغان الذي ارتحم قبلها، يعني- بذمتكم – تخيلوا امرأة عجوزاً وخرفة تعبر الأطلسي وحدها لحضور جنازة عجوز مخرف، فهل كانت تفعلها لو لم يكن في الموضوع (إن)؟

على كل نحن لسنا ضد أن يحب أحدهما الآخر، لكننا مع ذلك كنا ننزعج من حركاتهما،خصوصاً حين تضيق بنا الحال. فترانا نضرب بالرمل ونسأل البخت أن يرشدنا إلى مؤسسة فيها علبة سمن أو علبة محارم. وإذا نجحنا في اقتناص شيء من هذا القبيل، أو بعض الشاي والسكر التمويني، فإننا نجتمع بالأهل والجيران ضمن سهرة عامرة، وتدور أحاديث السياسة، فيضرب الرجال كفاً بكف وهم يهزون رؤوسهم قائلين: يا حيف عالرجال…  هل من المعقول أنهم لم يجدوا في بريطانيا رجلاً واحداً، فراحوا وسلموا منصب رئاسة الوزراء لامرأة. وفوق ذلك تحكمهم ملكة أيضاً لا ملك . فتتبادل جاراتنا النظرات بحيرة وهن يتخيلن المرأة الحديدية تشن الحروب وتصرع الرجال ثم تسأل إحداهن : وزوجها ماذا يفعل ؟ هل يقوم هو بالطبخ والتنظيف ورعاية الأولاد؟  باختصار كان وضعها مزعجاً لنا، وكنا نحمد الله أنها ليست رئيسة لحكومتنا. صحيح أن الكهرباء كانت تزور بيوتنا بشكل خاطف، والمياه تقاطعنا بسبب وبدون سبب، كما أن مواصلاتنا شكلت عقدة مستعصية على العقل البشري، لكن رغم كل شيء كان عندنا رئيس حكومة  ديناميكي، ومن أخطر قراراته  تحديد مواعيد العطل الرسمية، وبدء العمل  بالتوقيت الصيفي والشتوي، حتى إنه من فرط نشاطه قام مرة بتحديد موعد التوقيت الصيفي قبل أن يأتي الصيف أو حتى روائحه، لدرجة أني مازلت أذكر كيف كنا نذهب إلى المدرسة قبل شروق الشمس!

العدد 1140 - 22/01/2025