المقاومة أن تبقى سورياً
(يا بني إذا رأيت حرباً جبانها يجرؤ وشجاعها يجبن، وخسيس المحتد يتحكم فيها بكريم المحتد، ففرّ منها وانأَ إلى رابية، وترقّبِ الأحداث، ترَ أن في الأمر خيانة)!
من خطبة لـ(قس بن إيادة الساعدي) قبل ألف وخمسمئة عام.
مقاومة… ربما كانت اكثر كلمة متداولة في بازارات السياسة والحكم هي هذه الكلمة، يتبناها البعض ويسخر منها البعض، يغسلها البعض بدمائه فتبدو ناصعة الوضوح والنقاء، البعض يلوكها أكثر مما يمارسها، إن كانت هناك ممارسة أصلاً. فتتحول إلى مادة للمتاجرة ثم البيع بتسميات (ثورية) مثل المساومة أو التفاوض أو . . ويأتيك بالأمثلة من التاريخ الثوري العالمي والعربي: لينين عقد صلح بريست المجحف بحق روسيا مع الالمان، النبي محمد عقد صلح الحدبية مع كفار قريش.. إلخ.
ولأنها أصبحت كلمة مظلومة جداً، سأحاول ابتداع تعاريف واقعية لها بعيداً عن رمادية النظرية..
المقاومة، أن تعيش بين القذيفة والقذيفة، بين الغارة والمتفجرة، أنت وعائلتك، وتبقى في المدينة التي لم تستسغ سوى رائحة ترابها وشجرها، تبقى دون أن تشارك في قتل ابن بلدك، دون أن تقبض ثمن موقفك شيئاً سواء كنت مؤيداً أم معارضاً، حتى لو كنت مكرهاً في بقائك ولا خيارات أخرى لديك، فأنت مقاوم وبطل…
المقاومة، أن تستمر في عملك، الحكومي او الخاص، وبالمعاش نفسه الذي كان قبل الأزمة – الكارثة، وتعيش أنت وعائلتك بمبلغ لا يقبله تجار الحرب والشعارات (خرجية) لطفله، تستمر وقد فقدت عملك الثاني الذي كان يسند الراتب ويكفيك لإكمال الشهر وتاأمين حاجاتك الترفيهية، كالذهاب في سيران إلى الغوطة في الربيع مع نفسَ أركيلة وطبخة معتبرة هناك، أو المغامرة وشوي اللحم أو الفروج مع تبولة وتوابعها، أو الإيغال في المغامرة وأخذ العيال في مشوار بحري في الصيف ولو ليومين تقضونهما في شاليهات القصب والشوادر على شواطىء كانت متاحة للفقراء.
أما الآن فمغامرتك الوحيدة هي الخروج صباحاً قبل ساعات من موعد عملك لتصل متاخراً بعد الوقوف الطويل والممض على الحواجز، فتأتيك عقوبة من مدير يعيش في كوكب اخر، تقبّل كل ذلك بروح رياضية مطاطة.. أيها المقاوم الجميل!
المقاومة، أن ترفع صمتك في وجه هذا الجنون، حيث لا يفيد الصوت، لا صوت يعلو على صوت القتل، أن ترفع صمتك وتحني جبينك لتخفي دموعك النقية، دموعك العذبة، على بلاد يجرفها الطوفان، تحني جبينك وتغمض عينيك كي لا ترى مهرجانات الجنون هنا وهناك، حفلات التكاذب المستمرة حتى إشعار آخر…
المقاومة، أن تخرج أخيراً اطمئن سيدي سيكون هناك أخيراً يوماً ما من هذه الحرب نظيف اليد والقلب واللسان، تحب ابن بلدك لأنه يحمل هويتك السورية، لأنه سوري فحسب، لم تسع إلى ثأر أو حقد أو ضغينة، تعرف أعداءك جيداً، تعرف أعداء الشعب جيداً، لكنك تؤجل حربك معهم إلى زمن آخر، زمن لن تكون فيه دماء وتهجير وخراب، تؤجل حلمك إلى ربيع قادم.
المقاومة، أن يهدم منزلك، وتنهب محتوياته أو تحرق من قبل أبناء بلدك، أن تهجّر مثنى وثلاث ورباع، وتبقى على يقينك الجميل: سيولد وطن من هذا الخراب الممتد من الوريد الى الوريد، سيولد وطن ربما لهؤلاء الصغار الذين يستغيثون من الموت بكل الآلهة، فلا يجدون يداً تمتد لهم سوى بالمزيد من الموت، ربما لأولادهم من بعدهم، لكن. . .سيولد وطن، ستولد سورية جديدة.
المقاومة، أن تبقى تؤلف النكات عن حالتك وحالة أقرانك السوريين المشردين والمفجوعين، وتضحك، تضحك من هذا الخراب وأبطاله، تضحك عليهم، حتى يدمع قلبك. . .
أيها السوري الباقي على قيد سوريتك، أنت المقاوم الأول والأخير، النصر لك إن كان ثمة منتصر في هذه المحرقة، أنت المنتصر الأخير، أنت المنتصر الوحيد!