على عينك يا «مركزي»! «لوبي» يتلاعب بسعر الصرف وقيمة الليرة..
بإسقاط العوامل الاقتصادية الموضوعية، التي أسهمت في تغذية ارتفاع أسعار صرف الليرة، ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة، لايمكن نكران أو إسقاط دور المضاربين، وتجار الحقائب المالية، ومن يعملون بمهنة الصرافة بشكل غير مشروع، والمهربون الحقيقيون للقطع الأجنبي، وكذا الذين يستنزفون هذا القطع بذريعة تمويل المستوردات، وتجار شهادات الاستيراد، ومجموعات حكومية مرتبطة بكل هؤلاء، تقدم التسهيلات لهم، وتغض الطرف عن تجاوزاتهم أياً كان شكلها وحجمها وتأثيرها. كل هؤلاء وربما غيرهم أيضاً يشكلون (لوبياً) حقيقياً يسعى بكل قوته وسطوته وجشعه، لتدمير – إن صح التعبير- العملة الوطنية، عبر إضعافها أمام العملات الأخرى، وخفض قيمتها.
وهذا (اللوبي) الذي بات يعمل في وضح النهار، وأمام سمع وبصر الجهات الحكومية الرقابية على اختلاف أنواعها، يكرر التجارب السابقة في الاستفادة من ثغرات قانونية، وتراخٍ زائد عن اللزوم، وضعف في المتابعة لسوق الصرف المحلية. وباتت هذه السوق مسرحاً لكل من أراد الربح السريع، ترعاها، وتتبناها، شخصيات مؤثرة وقوية، وقادرة على تسليط الضوء على مايجري أو إخفائه. فبيدها تحريك خيوط اللعبة ودُماها المتحركة، بدليل الإجراء الوحيد الذي اتخذه المصرف المركزي بالتعاون مع وزارة الداخلية تجاه إحدى شركات الصرافة، وهو الإجراء الذي برغم ضرورته الحتمية، جاء متأخراً لجهة اتخاذه والإعلان عنه في آن. إذ أعلن المركزي والداخلية عن اتخاذهما إجراءات بحق شركة صرافة، بسبب اكتشاف التحقيقات (وجود إيداعات بقيمة مليون دولار و160 ألف يورو، و700 ألف ريال سعودي، و220 مليون ليرة، وعملات أخرى كانت مودعة بأسماء تجار من السوق السوداء مع إخفاء مصدرها من قبل مودعيها، ما يدل على عمليات غسل أموال).
فهل هذه المبالغ هي التي عززت ارتفاع أسعار الصرف؟ أم أن المسالة هي البحث عن كبش فداء؟ وهذا ليس دفاعاً عن الشركة المخالفة، بل تساؤل عن دور الشركات الأخرى أيضاً؟ ومكاتب الصيرفة التي لا تلتزم بالضوابط والنواظم المتعلقة ببيع القطع الأجنبي وشرائه؟ إذ إن الإجراء القاصر لا يحل مشكلة، وحتماً لايمكنه معالجة قضية متجذرة وراءها قوى فساد لا يستهان بها، ومستفيدون مستعدون لدفع (التسعة لكي يأكلوا العشرة)، وفي مثل هذه القضايا، يصبح بحكم المؤكد أن التساهل في المعالجة أقرب إلى الشراكة في الاستفادة.
ولو كان أمام الحكومة بكل مفاصلها متسع من الوقت، ورغبة تامة في لجم سعر الصرف، وتقييد تحركات العابثين فيه، لابتعدت عن التقارير المرفوعة إليها، والورقيات والتصريحات التي لم تعد تغني أو تسمن، كما لم تعد قادرة على ضبط وكبح الارتفاع الجنوني بسعر الصرف والقفزات البهلوانية التي يقوم بها (المتفذلكون) من كل المجموعات السابقة التي أشرنا إليها. ولو أرادت الحكومة لوقفت أمام كوات مكاتب وشركات الصرافة، لتكتشف حجم الخطر المحدق بالليرة، ومدى الكارثة المتروكة تتمادى بفعل فاعل، وستجد الفارق الرهيب بين كوة وأخرى، ومكتب وثان، في تحديد سعر القطع الأجنبي، والطرق المتبعة، في استغلال حاجات الناس، وإلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني من خلال عملته، وعلى عينك يا مصرف مركزي ويا جهات رقابية أخرى!
ما تعرض له سوق الصرف في الشهور القليلة المنصرمة يفوق التصور، والقفزات الهائلة في أسعار الصرف، التي أفقدت الليرة جزءاً كبيراً من قيمتها، هو قطعاً فعل ممنهج، ومخططات محكمة، وإرادات قوية، لضرب الليرة السورية. ما يتطلب اتخاذ ما يلزم من إجراءات ترقى إلى مستوى الضرر المتوقع، وتصل إلى تخوم الخسارة الفعلية التي تعرضت لها الليرة، بفعل هذه المجموعات الشريكة بالفساد النقدي والمالي. وهو أمر يدعو إلى التساؤل: مع كل تأخر المصرف المركزي، في اتخاذ ما يلزم من إجراءات، ونتيجة ما يجري في سوق الصرف، هل معاقبة هذه المجموعات على فعل إلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني، ولقمة الناس، يحتاج إلى الخجل؟ وما يثير الانتباه والتساؤل، الاعتراف الرسمي (بسوق صرف سوداء)، دون مواجهتها، رغم وجود التشريعات الإيجابية للحد من هذه السوق، وتطويق نشاطها، ونقلها من الظل إلى العلن. إلا أن المؤشرات تؤكد أن معظم الشركاء في سوق الصرف الحاصلين على رخص رسمية كشركات صرافة ومكاتب صيرفة وغيرهم، مازالوا يتعاملون بسوقَيْن، الأولى نظامية نشاطها متوقف، والثانية سوداء نشطة جداً.
يحتاج ما يجري في بعض شركات الصرافة، ومكاتب الصيرفة، وفي كل سوق الصرف، إلى إجراءات قوية، تتناسب مع مدى مخالفة الأنظمة والقوانين النافذة، والتعامل بصرامة وجدية تامتين، حتى ولو اقتضى الأمر حصاد رؤوس كبيرة، تمادت في غيها، ورأت في الأزمة السورية مطرحاً استثمارياً شكلاً، ومجالاً جديداً لفسادها الكبير مضموناً، إضافة إلى استغلالها للفرص، واقتناصها اللقمة من أفواه الفقراء والضعفاء اقتصادياً، هذه الرؤوس التي باتت (لوبياً) لابد من محاسبته.