احتياطي القطع والسياسات الاقتصادية الاجتماعية

Normal
0

false
false
false

EN-US
X-NONE
AR-SA

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:””;
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-font-family:”Times New Roman”;
mso-fareast-theme-font:minor-fareast;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-bidi-font-family:Arial;
mso-bidi-theme-font:minor-bidi;}

الاحتياطي الاستراتيجي من  العملة الأجنبية (Foreign currency reserves)، ويسمى أيضاً احتياطي (الفوركس)، هو الأصول من النقد الأجنبي كالدولار واليورو والجنيه الإسترليني والين، والمعادن النفيسة كالذهب، التي يحتفظ بها المصرف المركزي للدولة، إضافة إلى حصة هذه الدولة من حقوق السحب الخاصة، وهي عبارة عن وحدة حسابية يستخدمها صندوق النقد الدولي لأغراض المحاسبة الداخلية، وتستخدمه بعض الدول كذلك كتغطية لعملتها الوطنية، وتعتمد قيمتها على سلة من العملات الرئيسية العالمية.

واتفق خبراء الاقتصاد على أن هذا الاحتياطي يعد مقياساً لقدرة الدولة المالية على تسديد الديون الخارجية، والدفاع عن العملة المحلية، ويعد أداة بيد الحكومات، تستخدم لدفع قيمة مشترياتها من المواد الأساسية، وتسديد أقساط القروض والديون، وضمان المعادل العالمي لقيمة النقد الوطني، وتأمين احتياجات الدولة، خاصة في الأزمات الاقتصادية والسياسية الكبرى.

ولم يعبِّر احتياطي دولة ما من القطع الأجنبي والذهب في يوم من الأيام عن صوابية السياسات لاقتصادية -الاجتماعية. فمتانة اقتصاد الدولة يعتمد على عدد كبير من المحددات، منها تنوّع الاقتصاد وحجمه وناتجه المحلي الإجمالي ومعدّل نموه ومتوسط نصيب الفرد من هذا الناتج السنوي، وحجم القطاع التصديري ومساهمته في الناتج ونسبة البطالة، وقدرة الاقتصاد على حل مشكلات مختلف الفئات الاجتماعية. صحيح أن هذا الاحتياطي يتضخم عند نمو الصادرات، وزيادة واردات الدولة من العملات الأجنبية، لكن الصحيح أيضاً أنه في العديد من الدول تترافق زيادة هذا الاحتياطي مع الظلم الاجتماعي، وتهميش الطبقات الفقيرة والوسطى  وسيطرة النخب الرأسمالية والطغم المالية على مفاتيح الاقتصاد الرئيسية.

في سورية تضاعف حجم الاحتياطي مرة ونصف بين أعوام 2005و ،2010 حسب ما ذكر حاكم مصرف سورية المركزي في لقاء مع إحدى الفضائيات منذ أيام، وأضاف أن «سورية في هذه الفترة شهدت تطوراً اقتصادياً كبيراً. سمح بارتفاع حجم الاحتياطي الاستراتيجي». لكن نظرة سريعة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إليها السياسات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في هذه السنوات، تؤشر إلى أن  نمو الاحتياطي منذ عام ،2005 حتى عام ،2010 لم يترافق مع سياسات اقتصادية اجتماعية تستهدف تنمية متوازنة، تطلق قطاعات الإنتاج الرئيسية التي تعد العامل الأبرز في التطور الاقتصادي. . وتحل المشكلات الاجتماعية الكبرى كالبطالة والفقر وتخلف المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الشرقية في البلاد، بل ارتفع هذا الاحتياطي مثلما ارتفع معدل النمو(حسب الأرقام الرسمية) نتيجة لنشاط الرساميل الريعية، وتراجع قطاعات الإنتاج الحقيقي كالصناعة والزراعة، وزيادة حصة الأرباح والريوع في الناتج المحلي الإجمالي، مقابل انخفاض حصة الأجور.

 

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت ارتفاع الاحتياطي

لقد تبين أن رؤية بعض مسؤولي الاقتصاد السوري في الحكومات السابقة لا تسعى إلى تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، تُحدث نقلة نوعية في حياة السوريين في الزمن الصعب الذي اتسم بالتحولات العاصفة وثورة المعلومات وعولمة الاقتصاد، بل تسعى إلى الاكتفاء بوصفة قديمة. . جديدة روجها الليبراليون الجدد والمؤسسات الدولية الدائرة في فلكهم، هي ترك الأمر للسوق، ولآليات السوق، وللرساميل الريعية، أي ببساطة شديدة التحول باتجاه نظام اقتصادي رأسمالي ريعي، يلبي مصالح الأقلية الثرية المستثمِرة في المصارف والتأمين ومشاريع السياحة والعقارات، ويهمش القطاعات المنتجة، ويزيد الأعباء المعيشية التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، وفي مقدمتها قوى العمل. 

 

1 – التحرير المتسرع للتجارة.. وتراجع الصناعة

التحرير المتسرع بهدف «الاندماج»- لا المساهمة- بالاقتصاد العالمي، والذي أدى إلى إغراق أسواقنا بالسلع الأجنبية القادمة من كل حدب وصوب، وضع صناعتنا الوطنية في المنطقة الحرجة نظراً لتواضع قدرتها التنافسية، وهذا ما يعرفه جيداً منظرو الاقتصاد في الحكومة السابقة. ورغم بلوغ عدد المشاريع الصناعية المشملة بقوانين الاستثمار نحو 1400 مشروع، وارتفاع تكاليفها إلى نحو تريليون ليرة سورية، لم تتجاوز حصة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي 12% في عام 2009 (1). فالصناعيون السوريون الذين توقعوا أن تقود الصناعة عملية إنهاض الاقتصاد السوري باعتبارها قاطرة للتنمية ومحركاً أساسياً لنشاطات اقتصادية أخرى، كالتجارة والتسويق والتصدير، والمشغل الأبرز للقوة البشرية الباحثة عن فرص العمل، فوجئوا برغبة عارمة لدى بعض  مهندسي الاقتصاد السوري السابقين في الاعتماد على القطاعات الريعية التي لم تنشأ لخدمة فروع الإنتاج الحقيقية، كما توهم البعض في البداية، بل كوّنت ساحات عمل خاصة بها انسجاماً مع رؤية الليبرالية الاقتصادية الجديدة. وهكذا راح منظرو اقتصادنا الوطني في الحكومات السابقة يتسابقون إلى تسويغ انضمامنا إلى الشراكات غير المتكافئة، في وقت كانت الصناعة الوطنية فيه ترفع الراية البيضاء أمام السلع الواردة من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والصين وتركيا. وترافقت مع تعمد المماطلة في إصلاح القطاع العام الصناعي، وعدم توسيع الاستثمارات في المصانع والشركات الحكومية، فتقلصت مساهمته في العملية الاقتصادية، وزادت خسائر مؤسساته، وتفاقمت صعوباته المالية والتقنية والإدارية. وهكذا انخفضت حصة القطاع العام من صافي الناتج المحلي في الصناعة التحويلية من 41.7% عام ،2002 إلى 28.5% عام 2009.

 

2 – تراجع الزراعة السورية

ساهمت الزراعة بنسبة 26% من الناتج المحلي الإجمالي لعام ،2002 وانخفضت هذه النسبة إلى 24%، في عام 2006 وواصلت انخفاضها إلى17% في عام 2008وإلى 14% عام 2009. كما انخفض إنتاج المحاصيل الرئيسية في البلاد، فلم يتجاوز إنتاج القمح في عام 2011 مليوناً ونصف مليون طن من القمح، و600 ألف طن من القطن، وهجر  قسم كبير من العاملين في الزراعة مهنتهم الأساسية باحثين عن فرص العمل في محافظات أخرى. وهبط عدد العاملين في النشاط الزراعي  من 32 % إلى 20 %، من إجمالي قوة العمل في سورية، وتحولت المحافظات المنتجة للغذاء إلى مناطق شبه منكوبة تنتظر الإعانات. !(2)

 

3 – تحجيم دور الدولة وعدم توجيه الاستثمارات المحلية والأجنبية  

سعت هذه السياسات إلى تحجيم دور الدولة في الحياة الاقتصادية، وخفض استثمارات الحكومة في مشاريعها العامة، ومرافقها الإستراتيجية والحيوية، تمهيداً لنزع ملكيتها للقطاع العام، وتسليم مفاتيح الاقتصاد الوطني للقطاع الخاص.

ورغم زيادة حجم الاستثمارات المحلية والاستثمار الأجنبي المباشر، إلا أن هذه الاستثمارات تركزت في القطاعات الخدمية، إذ بلغت في قطاع المال والتأمين والعقارات 21%، وفي قطاع التجارة 20%من مجمل الاستثمارات. بينما حافظت الصناعة التحويلية على نسبة 13%. وقد جاءت زيادة الاستثمارات في القطاع الريعي نتيجة حتمية لعدم توجيه الاستثمارات نحو قطاعات الإنتاج الرئيسية في البلاد، وفي الوقت الذي شجعت الحكومة فيه المشاريع العقارية والسياحية، وأقامت من أجل تحفيزها عشرات الملتقيات المحلية والعالمية، عانت الصناعة والزراعة من تدني حجم الاستثمارات الجدية، كما عانت ضعف التمويل المصرفي الذي توجه أيضاً نحو القطاعات الريعية «الرائجة»(3)

 

4- الفقر وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن

إن تطور الاقتصاد السوري، ونمو قطاعاته الإنتاجية والخدمية مرتبط  بتحسن القدرة الشرائية للمواطن، لذلك طالبنا مراراً بوضع سياسة صحيحة للأجور تتناسب مع المستوى العام للأسعار، والعمل على توفير فرص العمل بهدف على تجفيف بؤر الفقر المنتشرة في البلاد، لكن الهم الاجتماعي لم يكن على جدول أعمال مدبري الاقتصاد السوري السابقين.

لقد بيّن المسح الذي أجرته الهيئة السورية لشؤون الأسرة، بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة دمشق، من خلال استطلاع آراء 1400 عائلة تنتمي إلى جميع محافظات القطر، ما تعانيه العائلة السورية من منغصات وأزمات يأتي في مقدمتها:

 أ – انخفاض الأجور، إذ تبيّن أن  48% من الأسر السورية لا يتجاوز دخلها 15 ألف ليرة سورية، ويتجاوز دخل31% من الأسر 20 ألفاً، أما نسبة الأسر التي يقل دخلها عن 5000 ليرة، فبلغت نسبتها 5.4%، ويترافق انخفاض الأجور مع ارتفاع نسبة الإعالة، فكل عامل لقاء أجر مسؤول عن إعالة ثلاثة أشخاص.

ب – الفقر الذي انتشر في مناطق جديدة بعد ضآلة فرص العمل، وعدم الاكتراث بتنفيذ الخطط(الورقية) بتنمية المناطق المتخلفة والفقيرة، وخاصة المناطق الشرقية، وبعض المناطق الشمالية، إذ بلغت نسبة الفقر نحو 41%، وفي بعض المناطق الشرقية تجاوزت 50%.

بعد هذا العرض السريع، نتساءل – ويتساءل غيرنا أيضاً- هل ارتفاع حجم الاحتياطي يعبر عن صحة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد؟ ومن أين تأتي موارد الخزينة التي تسمح للمصرف المركزي باستخدام بعضها لشراء النقد الأجنبي والذهب، وزيادة الاحتياطي الاستراتيجي؟ لقد عانت موازنات الأعوام السابقة عجزاً دائماً، وتراجعت حصة الضرائب المباشرة، وخاصة ضريبة الأرباح الحقيقية التي تفرض على التجار والصناعيين والمستثمرين بعد تخفيض معدلها مرتين، لتصل إلى 28%، بعد أن كانت أكثر من 60%، وانخفضت فوائض الحكومة بعد تراجع إنتاج النفط وتهميش القطاعات الاقتصادية الحكومية. ونعتقد هنا أن الممول الرئيسي لزيادة الاحتياطي هو فقاعات النمو الناتج عن النشاطات الريعية، وتصدير المواد الخام، وإضافة وفورات الخزينة من بعض عائدات النفط، وزيادة إيرادات الدولة من الضرائب غير المباشرة والرسوم التي تفتقر إلى العدالة، ويتساوى في تحمل عبئها الأثرياء والفقراء، وهذا يتناقض مع (التطور) الاقتصادي الذي تحدث عنه حاكم المصرف المركزي.

في الأزمة العاصفة التي تشهدها سورية، وبعد العقوبات الاقتصادية والحصار الجائر، الذي يستهدف مقدرات بلادنا، وأخذها من الداخل، أدى الاحتياطي دوراً أساسياً في تأمين احتياجات البلاد من المواد الأساسية ومستلزمات الإنتاج، لكن تخبُّط السياسات النقدية بتأثير مراعاة آليات السوق الحر استنزف جزءاً هاماً من هذا الاحتياطي بعد تباين قرارات المصرف المركزي أثناء تدخله في مواجهة ارتفاع سعر صرف الدولار. كذلك أدى تضارب قرارات تمويل صفقات الاستيراد إلى تبديد جزءٍ آخر منه.

المطلوب الآن المحافظة على ما بقي من هذا الاحتياطي من أجل تعزيز صمود بلادنا، ومساعدة الفئات الفقيرة والمتوسطة على مواجهة الحصار الاقتصادي، عبر تأمين موادها الأساسية من الخارج.

 

 

المراجع

1 – راجع تقارير هيئة الاستثمار الأول حتى الثالث.

2 – راجع المجموعات الإحصائية أعوام 2007-2008-2009 -2010.

3 – راجع تحليل الاقتصاد السوري لعامي 2005- 2007 الصادر عن هيئة تخطيط الدولة.

العدد 1140 - 22/01/2025