عن الاستثمارات السورية الهاربة إلى الخارج!
في كل يوم نقرأ عن استثمارات سورية يتم تأسيسها في الخارج، وخاصة في الدول المجاورة، مثل مصر والأردن، وقد بلغت أرقاماً ضخمة من حيث الرساميل، أو من حيث المساحات والقوى العامة التي ستوظفها، عدا طاقتها الإنتاجية، مع الأخذ بالحسبان أن هذا الأمر لم نلمسه عندما كانت هذه المشاريع موجودة في سورية.
وبحسب بعض المواقع الإعلامية العربية والمحلية، فقد ارتفع مجموع حصص رساميل السوريين المسجلة لدى (دائرة مراقبة الشركات) في الأردن، في الربع الأول من العام الحالي بواقع 8,5 ملايين دينار (957 مليون ليرة) لتصل إلى 9 ملايين دينار (485,1 مليار)، بدلاً من 2,3 ملايين دينار (528 مليون ليرة) في العام الماضي، وارتفعت حصة الرساميل السورية المسجلة لدى دائرة مراقبة الشركات في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 181%، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتظهر البيانات أن عدد الشركات السورية المسجلة في الربع الأول في القطاع الصناعي بلغت ،1074 في حين بلغت في القطاع التجاري ،1161 فيما يبلغ عدد الشركات السورية في القطاع الزراعي 78 شركة، والمقاولات 68 شركة، والخدمات 643 شركة.
وكان أمين عام (اتحاد المستثمرين العرب)، جمال بيومي قد قال: إن مجموعة من رجال الأعمال السوريين، بدؤوا خطوات فعلية لضخ استثمارات جديدة في مصر، تتجاوز 500 مليون دولار في مجالات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والخيوط والأقمشة، في العديد من المدن الصناعية المصرية..
بالمقابل فإن المديرة العامة لهيئة الاستثمار السورية هالة غزال، قد أوضحت في أحد تصريحاتها في وسائل الإعلام المحلية، أن ما قيل عن تأسيس مشروعات بالخارج وانسحابها من سورية ليس أكثر من تأسيس شركات تجارية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بمتابعة الأعمال في الخارج، وليس تأسيساً لمشروعات صناعية أو زراعية ضخمة تتعلق بالبنى التحتية وغيرها.
وأوضحت أنه لإعادة توطين الصناعات التي كانت موجودة في حلب، كالصناعات النسيجية والدوائية والغذائية والهندسية، لابد من العمل على منح جميع المزايا والتسهيلات لتشجيع إقامتها مجدداً بعد انتهاء الأزمة. وهذا أيضاً له علاقة بشيئين يجب أن يحملهما التشريع، وهما الثبات والمرونة. والجانب الثاني وهو إمكان منح المجالس المختصة صلاحيات النظر بالقضايا الاستثنائية.
فهيئة الاستثمار ترى أن المشاريع السورية المقامة خارج سورية هي مشاريع تجارية وليست صناعية، كما أنها تسعى إلى جذب هذه الاستثمارات والمشاريع بواسطة التسهيلات التي ستقدمها.. وهنا نطرح السؤال: ماذا عن طبيعة هذه المشاريع؟ هل هي حقاً تجارية؟ وهل ستحقق التسهيلات جذباً لهذه المشاريع؟
طالب: التسهيلات ستجذب المستثمرين وضرورة عقد ورشة عمل اقتصادية..
الخبير الاقتصادي نضال طالب أوضح في تصريحه ل (النور) أن التسهيلات المقدمة لأي استثمار في أي دولة هي الوحيدة القادرة على جذب الرأسمال، وبالطبع فإن الرابح الأول في التسهيلات التي تقدم هو الحكومة، لأن كل مليون ليرة توضع في الاستثمار كفيلة بخلق العديد من فرص العمل.
وأوضح طالب أن التسهيلات التي يمكن أن تقدم للمستثمرين لإعادة جذبهم تشمل تقديم تسهيلات في قيمة الأراضي والبنى التحتية، وقروض ميسرة وتسهيلات في الدفع. لأن المعروف أن الرأسمال جبان، وهو يبحث عن الربح وعن الفائدة الأكثر. وبالطبع يجب قبل كل شيء توفير عنصر الأمان لإقامة المشاريع الاستثمارية. وأكد طالب أن المستثمر لا يمكن أن ينتقل من مكان استثماره إلى مكان آخر إلا في حال كان المكان الذي سينتقل إليه سيحقق فائدة أكثر له ولمشروعه إلا في حال الاعتبارات الوطنية.
وعن المشاريع التي غادرت سورية إلى البلاد المجاورة، مثل مصر والأردن وغيرها، أكد طالب أهمية عقد ورشة عمل اقتصادية تدرس التسهيلات والمزايا التي يمكن تقديمها للمستثمر الموجود على أرض الوطن بحيث نجعله يستمر في عملية الإنتاج، وهذا قد يشجع الآخرين على العودة.
عثمان: حديث هيئة الاستثمار ليس دقيقاً والخطأ يكمن في الاستراتيجية..
الخبير الاقتصادي محمد عثمان وجد في حديثه ل (النور)، أن حديث هيئة الاستثمار السورية عن أن المشاريع السورية انتقلت إلى خارج القطر ليس بدقيق، فقد خصصت أراضٍ للصناعيين والمستثمرين السوريين في مصر، كما أن بعض الصناعيين توجهوا إلى الجزائر وافتتحوا مصانع ضخمة، مثل مصنع لصناعة الحرير، وأدخلوا عليه قطناً مصرياً وخيوطاً من النايلون، أي أن معظم المواد الأولية متوفرة عندهم، وهو مصنع ضخم، وليس شركة تجارية مؤقتة. وعن مدى قدرة التسهيلات التي قد تمنحها هيئة الاستثمار لجذب الاستثمارات الموجودة خارج سورية وجعلها تعود إلى سورية أوضح عثمان أن الأمر ليس في التسهيلات، بل إن الصناعة في سورية تعاني للأسف من غياب استراتيجية صناعية واضحة، وهذا الأمر نعانيه منذ أيام الاقتصاد المركزي أو الموجه. فمثلاً نقيم مصنعاً لصناعة الورق، ولكننا لا نعلم ما هي حاجة السوق المحلية أو تصريف المنتج أو تطويره، مع وجود هدر كبير. وكذلك الأمر بالنسبة لصناعة السكر، ففي معامل الشوندر السكري هدر كبير من المال، والحكومة تتكلف عليها الكثير. فليس المهم أن نقيم المصانع، بل المهم كيف نحقق جدوى حقيقية من إقامة هذا المصنع.
وعن نقاط الاستراتيجية الصناعية قال عثمان: تقوم على ثلاث نقاط هي: ما الذي يجب أن نصنعه؟.. والنقطة الثانية أين يجب أن نصنعه؟.. فليس من المنطقي أن ننشئ معملاً في دير الزور ومواده الأولية موجودة في درعا. أما النقطة الثالثة فهي مع من يجب أن نصنع؟.. فيجب أن نكون ضمن سلسلة، فإما أن نصنع المادة كاملة أو أن نصنع ضمن المنطقة العربية، وهذا الأهم. فمثلاً السودان هو من أهم الأسواق، فيمكن أن نأخذ منه المواد الأولية ونعيد تصنعيها، مع التنبيه إلى أهمية توفر عنصر الأمان لأن بغيابه لا يمكن جذب الاستثمارات أو الصناعات ولا يمكن إقامة المعامل وتحقيق الاستراتيجية المطلوبة.
كما أن مراقب حسابات مجموعة رجال الأعمال السوريين في مصر محسن صلاح، أكد جدية رجال الأعمال والمستثمرين السوريين في إنشاء منطقة صناعية متكاملة في الغزل والنسيج بمنطقة العاشر من رمضان أو بدر، وعدم اشتراط توصيل البنية التحتية.
وقدر عدد الشركات الاستثمارية السورية التي أسست في مصر بنحو 365 شركة حتى تشرين الأول 2012.
وقال رئيس مجلس الأعمال السوري المصري خلدون الموقع، إن: (مجموعة من رجال الأعمال السوريين، بدؤوا خطوات فعلية لضخ استثمارات جديدة في مصر تتجاوز 500 مليون دولار في مجالات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والخيوط والأقمشة في العديد من المدن الصناعية المصرية).
تعليق: ضرورة عقد ورشة للوقوف على متطلبات الصناعيين والمستثمرين..
وأخيراً نقول: إن الدافع الأساسي للجوء المستثمرين السوريين إلى الدول المجاورة هو الأحداث الراهنة التي تمر بها سورية، وهنا لا بد من تأكيد أهمية التمسك بالمستثمرين والصناعيين الباقين في الوطن، وتقديم كل ما يحتاجونه من تسهيلات. وكنا نأمل تجميع المنشآت الصناعية في منطقة آمنة وحمايتها لإبقاء عجلة الإنتاج تدور، لذا نؤكد ما ذكره المحلل الاقتصادي نضال طالب من أهمية عقد ورشة عمل اقتصادية لتحديد أهم متطلبات المستثمرين والصناعيين الموجودين على أرض الوطن. كما نؤكد أيضاً ما قاله الخبير محمد عثمان من أهمية وضع استراتيجية صناعية تكون ذات جدوى اقتصادية أكثر من الحالية.