هل هي بداية انهيار نموذج «الرفاه» السويدي؟
تشهد بعض ضواحي العاصمة السويدية ستوكهولم منذ عدة أيام اضطرابات وأعمال شغب تمثلت في إحراق عدد من مراكز الشرطة ومدارس ودور حضانة. إضافة إلى تكسير واجهات العديد من المحلات العامة والخاصة وحرق مكبات النفايات وغير ذلك.
بدأت الاضطرابات في منطقة (هوسبي) شمال العاصمة، ثم امتدت إلى أحياء ومناطق عدة. إن المناطق التي شهدت هذه الأعمال هي مناطق مكتظة بالأجانب ومعزولة عن المجتمع السويدي. كما أن نسبة كبيرة من القاطنين فيها عاطلون عن العمل ومهمشون.
بقيت الأحداث محصورة في ستوكهولم حتى الآن ولم تمتد إلى بقية المدن السويدية، لكن امتدادها احتمال قائم برأيي. كما أن الخسائر مادية فقط.
لابد من التأكيد أولاً أن جميع أعمال العنف والشغب وحرق الأملاك العامة والخاصة مدانة حتماً، ولايجوز تبريرها بأي شكل من الأشكال. مهما كانت المطالب عادلة لايمكن تحقيقها بوسائل عنيفة أو بحرق وتخريب.
يشكل المهاجرون في السويد نسبة كبيرة مقارنة بعدد السكان (أكثر من مليون أجنبي في بلد عدد سكانه تسعة ملايين نسمة، ونسبة المسنين فيه مرتفعة في الوقت الذي يمثل الشباب النسبة الأكبر بين المهاجرين، وهم يعانون بسبب الأزمة الاقتصادية في البلدان الأوربية صعوبة في الحصول على عمل أو دراسة).
ثمة أسباب مباشرة وغير مباشرة لهذه الاضطرابات:
السبب المباشر الذي أشعل الشرارة كان اتهام الشرطة بقتل أحد الأشخاص الأجانب، وإطلاق كلمات عنصرية بحق المحتجين، الأمر الذي نفته الشرطة. لكن بغض النظر عن السبب المباشر وتبادل الاتهامات بين بعض المحتجين والشرطة، إلا أن تطورات المجتمع السويدي في العقود الأخيرة شكل أرضية مناسبة لمثل هذه الأعمال.
الأسباب غير المباشرة عديدة ومتراكمة سوف نحاول التوقف عند أهمها:
أولاً- الصعوبات الاقتصادية التي بدأت تعانيها السويد منذ بداية التسعينيات وتفاقمت مع انضمامها للاتحاد الأوربي. وقد تمثلت في ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين. كما أن سياسة الخصخصة وانخفاض الدور الرعائي للدولة أدى إلى ازدياد الفروق الطبقية في المجتمع وزيادة أعداد المهمشين. يبقى الأجانب الأكثر تضرراً.
ثانياً – فشل سياسة الاندماج التي اتبعتها الحكومات السويدية المتعاقبة. تجلى هذا الفشل في أن مسألة الاندماج ليست مدرجة على جدول العمل اليومي للحكومة أو البلديات ومختلف هيئات الدولة التي تملك الموارد والقرار، وإنما مجرد دعاية انتخابية تقوم بها الأحزاب عشية كل دورة انتخابية. كما تجلى أيضاً في تكاثر المناطق (المعزولة) (الجيتو) التي يعيش فيها غالبية أجنبية. إن سياسة التقشف المتبعة في المدارس والخدمات الصحية والاجتماعية لعبت دوراً غير مباشر في عدم تمكنها من إيلاء مسالة الاندماج الاهتمام الكافي. إن عدداً كبيراً من سكان تلك المناطق عاطلون عن العمل.
ثالثاً – تنامي النزعات العنصرية ومعاداة الأجانب التي تمثلت بوصول حزب عنصري إلى البرلمان وحصوله على مقاعد في العديد من المجالس البلدية. بالمقابل تنامت نزعات مختلف أشكال التطرف الديني والنزعات الانعزالية ومشاعر الغربة عن المجتمع الجديد لدى بعض المهاجرين، كما تعاظمت لديهم مشاعر التهميش. هذا كله، إضافة إلى ازدياد الفوارق الطبقية.
رابعاً – تزايد نسبة الجريمة وتعاطي المخدرات في المجتمع.
خامساً – تعاظم ثقافة الاستهلاك بين أوساط الشباب خاصة.
إن هذه العوامل وغيرها تضع المجتمع السويدي أمام تحديات كبيرة تتطلب اتخاذ إجراءات على جميع الأصعدة الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية. لأن الباب مفتوح على كل الاحتمالات. إن عدم اتخاذ إجراءات سريعة وملموسة عبر إيلاء مسألة الاندماج أهميه استثنائية، والتخلص تدريجياً من المناطق ذات الكثافة السكانية من المهاجرين. وإيلاء قضايا العمل والدراسة أهمية خاصة، ومحاربة النزعات العنصرية والتطرف بشكل أكثر فعالية، سيؤدي لتفاقم الأمور واتخاذها مجرى ليس في مصلحة المجتمع السويدي ككل.
هنا لابد من الإشارة إلى مسؤولية الأجانب في القيام بدور إيجابي وفاعل عبر الاندماج في المجتمع والتخلص من بعض ماحملوه من مجتمعهم السابق، وخاصة مايتناقض منه مع المجتمع الجديد. المسؤولية هي حقوق وواجبات وليست حقوقاً فقط.
لكن السؤال الأكبر الذي حملته التطورات الأخيرة: هل هي بداية انهيار نموذج (الرفاه) السويدي؟