ألفاظ السوق الاجتماعي

عبارة (الألفاظ السوقية) تتردد على ألسنتنا دون أن نتمعّن ربما في فحواها أو حقيقة المعنى الذي تتضمنه العبارة.

الألفاظ هي مفردات اللغة، أما السوقية فهي صفة مشتقة من مصدر (السوق)، والسوق مكان يرتاده الناس جميعاً، وله مفرداته وألفاظه التي يتعامل بها العاملون فيه ويسمعها الرواد، ولأن السوق فيه فئات شعبية تعمل في الأعمال المُلحقة به من عتالة ودعاية للبضائع وتوصيلها…الخ فإن اللغة المستخدمة فيه هي (اللغة الشعبية) التي لا تتورع عن تسمية الأشياء بأسمائها، فيما تعيش بقية فئات المجتمع خلف أقنعة تفرضها الأعراف والعادات والمحرمات التي كرّستها الحياة الاجتماعية، بينما هم في حلقاتهم المغلقة وجلساتهم الخاصة يتحدثون بلغة أكثر سوقية من عتالي سوق الهال، مع احترامي طبعاً للعتالين.

أقنعة تمنع على الإنسان منذ طفولته أن يتحدث بحرية ومباشرة عما يراه ويتلمسه ويتعرف عليه مع تفتح وعيه (الأعضاء الجنسية مثلاً) وكلنا يتذكّر كيف علّمه الأهل والمحيط أسماء (طفلية) لهذه الأعضاء سرعان ما تصبح مدعاة للسخرية والتندر حالما نكتشف الأسماء الحقيقية لها.

هذا هو جوهر معظم ما نسميه الألفاظ السوقية أو النابية، كما أدعي.

طبعاً هذه ليست دعوة لإدراج هذه الألفاظ في الحياة العامة بفجاجتها النابعة من الإرث الطويل في المواربة عند ذكرها، علماً أن التراث الإسلامي يحفل بكتابات أدبية وفنية ممعنة في الكشف عن هذا المكبوت اللغوي والنفسي والاجتماعي بأوضح التعابير والألفاظ والصور، ويكفي للتدليل على ذلك كتب تراثية غنية وعميقة مثل الإمتاع والمؤانسة، وألف ليلة وليلة، وأشعار أبي نواس، وامرؤ القيس و(رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه) و(شقائق الأترج في رقائق الغنج) وطبعاً (طوق الحمامة في الألفة والإيلاف)…الخ، تحفل بالحديث المباشر والصريح عن موضوع العلاقات الجنسية وتفاصيلها..

ويمكن أن نورد نماذج لكتابات إبداعية عالية في عصرنا هذا لا تتورع عن كسر هذا التابو، مثل تجارب مظفر النواب في الشعر ومحمد شكري في الرواية.

هذا التقديم الطويل لمحاولة توضيح المصطلح قبل الدخول في قصة مختلفة، تداول الأطفال وطلبة المدارس للألفاظ نفسها، وتبادل ما يصطادونه من الشبكة الإلكترونية عبر الفيضان الجارف لوسائل الاتصال.

الظاهرة كانت موجودة ماضياً على شكل تفتح الوعي الجنسي لدى الأولاد والتعرّف إلى المارد الذي يخرج من قمقمه عبر الأصدقاء، وهذه بحدّ ذاتها ظاهرة خطيرة بما تحمله من خطر تَعرّفٍ مشوه على هذه الغريزة الطبيعية الموجودة لدى كل إنسان. لكن الآن أصبحت الظاهرة أخطر، من خلال وجود كم هائل من المواد الجنسية المشوَّهة والمشوِّهة في (النت) يلتقطها الأطفال والأولاد والمراهقون دون أن يستطيع الأهل أو المدرسة وضع حدٍّ لها.

ما العمل؟

أعتقد أن مواجهة هذا الخطر لا يتحقق بالمنع والزجر والعقاب، بل بمحاولة فتح حوار مع الأولاد من قبل الأهل أولاً والمدرسة ثانياً، لمحاولة بناء جسور من الثقة تكفي لأن تعطي الأولاد جرأة الكشف عن هواجسهم ورؤيتهم ومحاولة توجيهها بشكل غير مباشر، عبر تقديم مواقع بديلة عن المواقع الجنسية المبتذلة التي يلجؤون إليها في غياب الأهل والمدرسة، بحيث تحقق لهذه الأجيال الشابة المتعة والمعرفة، والأمر نفسه ينطبق على محاولة تطوير الذائقة الفنية للأولاد عبر الاستماع إلى أغانٍ شبابية لا تخاطب الغرائز وأفلام خفيفة وجادة، إضافة إلى التشجيع على اقتناء الكتب وقراءتها وهي مهمة شّاقّة جداً في ظل هوس الشباب والكبار أيضاً بالإنترنت ومشتقاته.

العدد 1140 - 22/01/2025