طفولة في مهب رياح الحرب

لعلّ الأطفال واليافعين هم الحلقة الأضعف، والشريحة الأكثر هشاشة في مواجهة واقع الحرب بكل تبعاته وحيثياته وأخلاقياته الممزوجة بكثير من القهر والفقر والألم، الذي يؤدي بهم في أحيان كثيرة إلى كبت كل هذه الانفعالات، لاسيما أولئك الذين هُجّروا من منازلهم ومدارسهم ورفاقهم، فباتوا يعيشون غربة رهيبة تأخذهم إمّا إلى عوالم العزلة والانطواء، أو أنَّ منهم من لم يستكن لهذا الواقع المرفوض بكليّته، فراح يُفرّغ شحنات غضبه في البيت أو الحي أو المدرسة. ولأن هذه الشريحة لا تملك من أسلحة الانتقام إلاّ الكلام، فقد اتخذت من الشتائم وسيلة ربما دفاعية، أو حتى هجومية استباقية كي تحفظ ما تبقى لهم من كرامة مهدورة أينما اتجهوا.

فحين نمرُّ بالقرب من بعض التلاميذ والطلاب أثناء الذهاب إلى المدرسة أو العودة منها، نسمع ألفاظاً أفضل ما يُقال عنها إنها سوقية، ونرى تصرفات لا تليق بطلاب أو تلاميذ بأعمار صغيرة، كما نسمع ما يُثير الدهشة عمّا يحصل في العديد من المدارس بفئاتها المختلفة، كالتدخين، أو المخدرات، أو مشاهدة مقاطع وصور إباحية عبر الموبايلات التي صارت مرافقة لهم أكثر من دفاترهم، وقد لا يسلم المدرسون والمدرسات من الإساءة التي يوجهها بعض أولئك الطلاب إليهم. إذ تشهد المدارس بكل فئاتها مسلكيات غير مناسبة لصرح علمي- تربوي، وذلك بسبب الازدحام الكبير الناتج عن النزوح من مناطق ساخنة، وبالتالي وجود مستويات مختلفة من التلاميذ والطلاب الذين يمثلون بيئات مختلفة ومتباينة أيضاً، ويُشكّل هذا الازدحام عامل ضغط على الأسرة التعليمية والإدارية، لا تستطيع بموجبه ضبط كل الطلاب، أو إحاطتهم بالرقابة الكافية والمطلوبة

كذلك بسبب تهميش دور المُدَرّس الذي اقتصر منذ سنوات ما قبل الحرب على الإعطاء فقط دون إمكانية النصح والتوجيه، رغم أن الوزارة المعنية هي وزارة التربية، مقابل وجودٍ غير منضبط لجهات أخرى لا تسمح لا للمُدَرّس ولا للهيئة التربوية والإدارية اتخاذ أيّ إجراء أو تصويب، ويضمن ذلك الأهل الذين يرفضون توجيه إنذار أو حتى دعوة لهم من الإدارة للاطلاع على أوضاع أبنائهم، إمّا لأنهم يعتبرون أنفسهم وأطفالهم فوق القانون، وإمّا لانشغالهم الدائم بتأمين متطلبات الحياة بشقّ النفس، والسكن في بيوت ضيّقة مع آخرين، ما جعلهم بعيدون تماماً عن تربية أبنائهم بالشكل المطلوب. وهذا ما أدى إلى انتشار مظاهر كالتدخين، وكذلك المخدرات، وإن لم تطفُ بعد على السطح، وفوق كل هذا وذاك مشاهدة صور ولقطات إباحية عبر الموبايلات التي كانت سابقاً ممنوعة في المدارس، وباتت اليوم من الضرورات للأهل بهدف اطمئنانهم على الأبناء في ظل واقع الحرب، والانفلات التّام من رقابة الكادر الإداري في المدرسة، ما أدى إلى تلك الممارسات والتصرفات التي نراها في الشارع بين أولئك التلاميذ والطلبة من الجنسين، والتي تشي بأن مستقبلهم في مهب ريح تذرو وتشتت أركان المجتمع كله.

العدد 1140 - 22/01/2025