أسعار الصرف تتراجع بالتدخل.. و«القوة» لمحاسبة المضاربين والمتاجرين

لايمكن إرغام الدولار على التراجع بالقوة، كما يريد النائب الاقتصادي، هذه عملية أشبه بالمحال، وضرب من خيال. وتحديد قيمة الدولار لايمكن أن يكون بقرار، فهناك عوامل اقتصادية أخرى تلعب الدور الحاسم في هذا المجال، وما يمكن فعله، هو تحسين وضع الليرة، وتحديد سعر صرف مناسب لها أمام العملات الأخرى. أما من يعتقد بأنه قادر على جعل الليرة تضارب على الدولار أو أي عملة أجنبية أخرى قوية، فليسمح لنا، أو فليثبت كيف السبيل إلى ذلك؟ فهذه مسألة لا يمكن اللعب بها، أو النظر إليها بأيديولوجيات معينة، أو رغبات أشبه بالأحلام. ففي سوق الصرف ثمة فرق كبير بين الرغبة والأمنية من جهة، والواقع والسعر الحقيقي من جهة ثانية. وتحديد سعر الصرف إدارياً، كما يفعل المصرف المركزي لا يعني على الإطلاق أن الصرافين وشركات الصرافة ومكاتبها ملتزمون بهذا السعر. فالواقع أو السوق السوداء لها معاييرها الأخرى الأكثر دقة، والأكثر استجابة لحقيقة الليرة وسعر صرفها الواقعي، الذي يعبر عنها، ومدى قوتها. لتبقى القرارات الحكومية في هذا المجال مجرد حبر على ورق، لا أحد يأخذها على محمل الجد، وكأنها تعيش خارج الواقع، والسياق التاريخي.

تمكنت السلطات النقدية من تخفيض أسعار الصرف، التي كانت توسم بالوهمية، وتراجع هذا السعر إثر التدخل الذي قام به المركزي. ويراوح السعر حالياً بين أقل من 200 ليرة شراءً، وأكثر من 200 بيعاً، وبنسب متفاوتة بين صراف وآخر، ومحافظة وأخرى، وذلك تبعاً لجملة من العوامل الأخرى التي ترتبط بكثير من القضايا الاقتصادية والسياسية، وليس معيارها الوحيد الطلب على الدولار. فالأزمة التي تعيشها البلاد، تنعكس في أحد أوجهها على سعر الصرف، وما يتخذ من قرارات اقتصادية مختلفة، تتعلق بتمويل المستوردات وغيرها، ومدى الرغبة في التدخل بسوق الصرف، وخلق توازن بين العرض والطلب، وغيرها من الأسباب الكثيرة، لها دور كبير في تحديد هذا السعر. إلا أن كثرة البورصات المصغرة في أسعار الصرف، وتزايد عدد المشتغلين مباشرة أو على نحو غير مباشر، في مجال صرف العملة، ونمو السوق السوداء بفعل تجار كبار لا يمكن الاستهانة بقوتهم ومدى تأثيرهم، جعل من الأدوات التي يملكها المركزي، ويُحسن استخدامها، ويمتلك الجرأة للتدخل عبرها، قليلة، وضعيفة الأثر أحياناً، بدليل الارتفاع الكبير الذي يعانيه سعر صرف الليرة يومياً، دون ضوابط أو مقاييس نقدية حقيقية.

وفي عود على بدء، يبدو استخدام مصطلح القوة لتثبيت سعر الصرف، خارج السياق النقدي، لأن كل القرارات الهادفة إلى التدخل بطريقة غير اقتصادية، لايمكن أن تؤدي فعلها المطلوب، لأنها قائمة على قاعدة غير صحيحة، ومشوهة. لكن يصبح مصطلح القوة صحيحاً، عندما ترافقه إجراءات يتفق الجميع على ضرورتها وقدرتها على زحزحة سعر الصرف، وخلخلة بنية المضاربين والمتاجرين به. وأبرز ذلك محاسبةُ الصرافين الكبار الذين يسيئون إلى سعر الصرف، وهم معروفون، ويمارسون ارتكاباتهم على عينك يا مركزي. ولم يتجرأ المركزي أو غيره من السلطات المعنية بهذا الأمر على محاسبتهم، ليغدو خبر توقيف صراف، يثير الكثير من المخاوف، والخشية في آن، من الإساءة إلى سعر الصرف، بينما هو في الحقيقة، أكثر الأدوات التدخلية ضرورة وإلحاحاً، وهو من الإجراءات المهمة والقادرة على ضبط إيقاع سوق الصرف المنفلت، ويسهم في استرجاع المركزي لبعض من حضوره القوي الذي يمكن وصفه هنا بردع المضاربين والمتاجرين، وبالتالي إشاعة حالة تقضي على التخوف والرعب النفسي (غريزة القطيع) التي ينجر خلفها أصحاب المدخرات عند تلقيهم أية إشارات، لتبديل عملتهم.

 لايمكن سوى للدولة أن تكون الضمانة لأصحاب المدخرات، ولو وجدت فعلاً حالة من الثقة بين هؤلاء والسلطات النقدية، وخاصة المركزي، لفشلت كل محاولات المضاربين والمتاجرين بأسعار الصرف، الذين جنوا ثروات من مهنة الصرافة، التي باتت مهنة كثيرين، يفترشون الشوارع والطرقات أمام مكاتب الصرافة أو شركاتها، من أجل الحصول على مبلغ بسيط، لكنه بالنسبة إليهم أهم من فرصة عمل حقيقية، وبارقة أمل كبيرة. بل في المخيال الشعبي هو (رزقة) كما يعبر كثيرون لتبرير أخطائهم، أو للهروب من المسؤولية الأخلاقية، بقولهم (متوقفة عليَّ؟). نعم هي بالحقيقة متوقفة على هؤلاء، الذين يتحركون بإشارات من التجار الكبار في سوق الصرافة. ومتابعة هؤلاء وضبطهم، هي القوة التي يتمكن من خلالها الفريق المتابع لأسعار الصرف، ومجلس النقد والتسليف، من تهدئة ارتفاع أسعار الصرف، وكبح جنون الدولار الخطير أمام الليرة.  وتبقى معرفة أسباب وقوف مواطن، أعيته ظروف الحياة القاسية، أمام مكتب صرافة أو شركة، منذ السادسة صباحاً، إلى فترة ما بعد الظهر ليحصل على 500 دولار أو أكثر بقليل، ثم يذهب ليعطيها شخصاً آخر. أو لنقل يبيعه هذا المبلغ مقابل ربح بسيط، معرفة أسباب هذا العمل يختزل جزءاً كبيراً من المشكلة، وتصبح القوة التي يهدد النائب الاقتصادي بها، لخفض أسعار الصرف ليست مجرد استعراض عضلات، أو في أحسن الأحوال ليست هباء منثوراً.

العدد 1140 - 22/01/2025