موقف الحزب… دوره والمهام
إن خيار حزبنا الشيوعي السوري الموحد لمستقبل بلادنا، لم تُمْلِهِ الأزمة الحالية وحدها، بل تمت صياغته أو صياغة بعضه على الأقل بزمن طويل – في وثائق مؤتمراته، خاصة في مؤتمريه العاشر (نيسان2006) والحادي عشر (16-19/3/2011)، وذلك بناء على تحليل للواقع السياسي والاقتصادي والطبقي في البلاد.
لقد جاء في هذه الوثائق: (أن الديمقراطية في بلادنا هي خيار إنساني وحاجة موضوعية تفرضها ضرورات التطور والتقدم وتعزيز الوحدة الوطنية.. وأن الديمقراطية تتضمن ثلاثة جوانب أساسية:
أ- أسس بناء الدولة ومؤسساتها وأساليب عملها. وهي تقوم على مبدأ فصل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأن يكون للمؤسسة التشريعية حق منح الثقة للحكومة ومحاسبتها وحجبها….وليتم عبرها التداول السلمي للسلطة.
ب – الحقوق المدنية والسياسية، مثل حرية الرأي والاعتقاد والتعبير، ومساواة المواطنين وتكافؤ الفرص فيما بينهم، وسيادة القانون.. وحق الاجتماع والتظاهر السلمي..والحصول على محاكمة عادلة.. ومنع الاعتقال الكيفي والتعذيب.. والحق في تشكيل الأحزاب والجمعيات المدنية..
ج – الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية: بما فيها حق العمل والأجر المتساوي..والسكن والتعليم..ومساواة المرأة وغير ذلك).
كما تضمنت الوثائق المطالبة ب(إصدار قوانين ديمقراطية عصرية للأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وتعديل قانون الطوارئ، وإلغاء القوانين الاستثنائية ومحكمة أمن الدولة، وحل مشكلة الإحصاء في محافظة الحسكة، والاعتراف بالحقوق الثقافية لأبناء الشعب الكردي).
– وسبق للحزب أن توجه بمذكرة إلى المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي بتاريخ 6/5/2005 قبيل انعقاد المؤتمر، طالب فيها بفصل الحزب الحاكم عن الدولة، ورفع حالة الطوارئ، وتوسيع الانفراج السياسي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإلغاء ربط المنظمات المهنية بحزب البعث ومكافحة الفساد ونهب مال الدولة، وصيانة القطاع العام واستمرار دور الدولة الرعائي.. وغير ذلك.
وأكد حزبنا هذه المواقف طوال السنوات السابقة، في جميع الرسائل واللقاءات الحزبية والحكومية، وعن طريق ممثليه في الوزارة ومجلس الشعب والمنظمات النقابية والمهنية وغيرها، وفي قرارات اجتماعات لجنته المركزية ومكتبه السياسي وصحافته.
إن جوهر سياسة حزبنا قامت على أن الأوضاع الداخلية في سورية تشكل معادلة ثلاثية الجوانب: القضية الوطنية، والقضية الاقتصادية والاجتماعية، والقضية الديمقراطية.وأن هذه الجوانب الثلاثة متداخلة ومترابطة على نحو وثيق، بحيث أن إضعاف أو إهمال أي منها سيؤدي إلى إضعاف الجوانب الأخرى. وأكد حزبنا دائماً أن حماية وصيانة الموقف الوطني يتطلب تعزيز الوحدة الداخلية في البلاد، التي لا بد لضمانها من تلبية مطالب الجماهير الشعبية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية، وإشاعة الديمقراطية في حياة البلاد السياسية من ناحية أخرى. وقد عزز الحزب موقفه هذا باستمرار بالكثير من المطالب الملموسة على الصعد المذكورة كافة.
لقد أكدت الأزمة التي تمر بها بلادنا اليوم أن الخلل بين جوانب هذه المعادلة، والتناقض بين الطريقة التي مارست وفقها السلطة سياساتها من ناحية، والمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية للبلاد من ناحية أخرى، شكّلت القاعدة العميقة لهذه الأزمة، وأن القوى الخارجية التي أدمنت التآمر على سورية ما كان لها أن تتمكن من النفاذ إلى الوحدة الوطنية، واستغلال الاستياء الشعبي المتصاعد، لولا وجود هذا الخلل.
وقد أشار حزبنا منذ اليوم الأول للأزمة أن القضية المطروحة ليست قضية الموقف من النظام أو من السلطة أو من حزب البعث، بل هي قضية حماية الوطن وسيادته ووحدة أراضيه وكرامة المواطن وحريته. وأن لا حرية ولا كرامة للمواطن إذا ضاعت حرية الوطن وسيادته. لذلك عارضنا التدخل الخارجي بجميع أشكاله، ورفضنا العنف من أي جهة كانت، وأكدنا باستمرار أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سلمياً. من خلال حوار وطني سياسي يشمل جميع أطياف المجتمع السوري، ويستهدف الانتقال إلى دولة ديمقراطية مدنية تعددية، تضمن سيادة القانون واستقلال القضاء، وفصل السلطات، وتداول السلطة، وتقوم على المواطنة واحترام جميع حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والعيش الرغيد والمستقبل الآمن. هذا ما عبرنا عنه في كل ما صدر عن الحزب من تقارير ورسائل وفي صحافة الحزب وفي مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في تموز ،2011 وكذلك في لجنة إعداد الدستور الجديد، وفي الملاحظات التي أبديتاها على القوانين الجديدة كقانون الأحزاب وقانون الإعلام، وغيرها.
وفي الوقت ذاته الذي أوضحنا فيه أننا نقف بقوة جنباً إلى جنب مع الجماهير الطامحة إلى تحقيق أهدافها المذكورة والمشروعة، أكدنا باستمرار أنه لا يمكن لنا أن نتخذ أي موقف يحتمل أن يصب الماء في طاحونة الحلف الذي يستهدف استقلال وسيادة وطننا وحرية شعبنا، خندق الولايات المتحدة وحلف الناتو وتركيا والسعودية وقطر وأشد القوى السلفية والتكفيرية تخلّفاً وجهالة في عصرنا الحالي، والتي تطمح إلى إعادة بلادنا ومجتمعنا قروناً عديدة إلى الوراء.
لقد عمل الحزب خلال المرحلة الماضية على طرح موقفه السياسي المذكور وتوضيحه بمختلف الوسائل والإمكانات المتاحة له، وقد حافظ حزبنا خلال هذه المرحلة على وحدته الفكرية والسياسية والتنظيمية، ولا ينتقص من ذلك ظهور آراء مختلفة ومتباينة هنا وهناك، في العديد من المنظمات، وهو أمر طبيعي في ظل الظروف المعقدة والصعبة التي تمر بها البلاد.
وقامت صحيفة الحزب (النور) خلال الأزمة بدور إعلامي وتنويري هام، بطرح سياسة الحزب وتوضيحها، في الافتتاحيات والمقالات والدراسات المتنوعة، كما عكست المزاج الجماهيري الطبقي والشعبي عموماً، في القضايا الاقتصادية والاجتماعية عموماً، والقضايا الإنسانية والمعيشية ومحاربة الفساد خصوصاً، على نحو متميز بوضوح، بالمقارنة مع الصحافة المحلية الأخرى.
إلا أن ما يجدر ذكره في الوقت ذاته، هو عدم ارتقاء الممارسة العملية للنشاط الحزبي اليومي، وخاصة على النطاق الجماهيري والإعلامي المرئي، إلى مستوى الموقف السياسي للحزب، الذي جاء تطور الأحداث طوال السنوات الثلاث مُثبتاً صحة هذا الموقف وموضوعيته واستقلاله وتميزه، ويرجع ذلك لأسباب منها موضوعي (تعقيدات الأزمة ذاتها، وضيق الهامش المتاح للعمل الملموس، وصعوبات التنقل والاتصال وغيرها)، ومنها ما هو ذاتي (الإمكانات التنظيمية والواقعية المتوفرة فعلاً).
إن حزبنا الشيوعي السوري الموحد ناضل ويناضل اليوم من أجل:
1- الوقوف بحزم ضد أي شكل من أشكال العدوان أو التدخل العسكري المباشر ضد وطننا السوري، واعتبار حماية استقلال الوطن وسيادته ووحدة أراضيه هدفاً مقدساً يعلو على أي غاية أخرى.
2- وقف العنف وسفك الدماء بجميع أشكاله، ومن أي جهة كانت. والوقوف ضد جميع أشكال التمويل والتسليح والتوريد للمجموعات الإرهابية من خارج الحدود.
3- تطبيق أحكام الدستور والقوانين الإصلاحية الأخرى واقعياً على الأرض.
4- إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي.
5- اتخاذ تدابير جدية لمحاسبة الفاسدين واستئصال الفساد من جذوره.
6- معالجة النتائج الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الأزمة، بما يحقق مصلحة الاقتصاد الوطني وحاجات الجماهير الملحة واليومية في آن.
7- الإسراع في معالجة أوضاع المهجرين والنازحين بما يساعد على عودتهم إلى مساكنهم ومدارسهم وأعمالهم وحياتهم الطبيعية، وخاصة لجهة إعادة وتهيئة البنى التحتية الضرورية لذلك.
8- التوجه نحو عقد مؤتمر حوار وطني حقيقي شامل يضم جميع أطياف المجتمع السوري، بغية التوصل إلى مصالحة وطنية تتفق على عقد اجتماعي جديد ينقل البلاد إلى دولة مدنية تعددية، تضمن الحقوق الديمقراطية والثقافية لجميع مكونات الشعب السوري.
ويعمل الحزب في سبيل تحقيق هذه الأهداف على تحقيق المهام التالية:
1 – متابعة عقد الاجتماعات الحزبية على مختلف المستويات لتوضيح وشرح سياسة الحزب.
2 – متابعة السعي مع جميع القوى الوطنية الشريفة، لتعبئتها ضد أية محاولة للنيل من حرية الوطن وسيادته ووحدته.
3 – متابعة عقد اللقاءات مع جميع القوى السياسية في البلاد سواء من النظام أو المعارضة، لتوضيح مواقف الحزب وسياسته، وتشجيع الجميع على الدخول في الحوار الوطني المنشود.
4- الدعوة من قبل الحزب إلى قيام حركة شعبية ديمقراطية تقدمية، لمجابهة الفكر التكفيري من ناحية، والفكر الليبرالي في الاقتصاد من ناحية أخرى، بغية خلق القاعدة اللازمة لتوجهات المرحلة المقبلة في البلاد.
5 – زيادة الاهتمام بالوضع التنظيمي والفكري في الحزب والتأكيد على تنفيذ المهام المطروحة في هذا المجال.
إننا على ثقة بأن شعبنا الذي صمد بكل شجاعة وصبر خلال أصعب محنة مرت عليه في تاريخه الحديث، رغم المعاناة الفائقة القسوة، والثمن الباهظ الذي دفعه خلالها، لن يسمح مجدداً بعودة العوامل التي أدت إلى هذه الأزمة، وهو سيتابع السير قدماً من أجل بناء دولته الحرة الموحدة والمدنية الديمقراطية، والتي تسود فيها الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والعيش الرغيد لجميع مواطنيها.