إغلاق شركات الصرافة…عودة حيتان السوق للعمل بالخفاء
إغلاق المصرف المركزي لعدد من شركات الصرافة مؤخراً يكشف حجم التورط والتساهل الذي كان سائداً في سوق الصرف، ويعكس المخاوف التي أطلقت عند دراسة مشروع قانون شركات الصرافة، ويعيد إلى الأذهان تلك الطروح المستندة إلى الرفض القاطع لعمل شركات الصرافة ومكاتبها، واعتبارها أحد أشكال الاقتصاد الليبرالي، وأنها أداة فاعلة لقوى السوق الخفية، والعامل المهم لشرعنة الاتجار بالعملات الصعبة والقطع الأجنبي. إذ لم تلقَ آذاناً مصغية، تلك التحذيرات والتنبيهات التي قيلت، منذ سنوات، قبل إطلاق يد شركات الصرافة في السوق. وكان البعض يؤكد أن شرعنة عمل الصرافين هو أفضل بمئات المرات من بقائهم في الظل، ويمارسون دورهم بالخفاء، ويرتكبون مخالفاتهم دون وجود قانون صارم يعاقبهم ويحاسبهم.
اللافت في القضية أن الحكومة آنذاك منحت صكوك الاعتراف لرجال أسعار الصرف العاملين بالسوق السوداء، ولأسياد هذه السوق، والمتحكمين بها، ولكل من يعمل ويتاجر بالقطع الأجنبي، فخرج حيتان السوق من تحت مظلاتهم غير المشروعة، ووجدوا بحكم القانون مواطئ لأقدامهم الثقيلة، والمستفزة، ومكاناً شرعياً لممارسة كل أشكال وأنواع العمل الصيرفي. وفي حالة تشبه الهروب إلى الأمام، والضغط على كل من يريد رفض شرعنة عمل الصيارفة، أُدرجت الموافقات على عمل الصيارفة تحت مسميات مختلفة ومتعددة القوالب، تتمثل بمواكبة العصر، والاستفادة من عمل هؤلاء، وتسديدهم للضرائب والرسوم، بدلاً من بقائهم في الظل، ومدى حاجة السوق لهم.
ومع كل الضرورات التي لايمكن الاختلاف عليها حول أهمية دور شركات الصرافة في الاقتصاد الوطني، إلا أن حجم المخالفات والممارسات غير الطائشة، والمنظمة، التي قام بها العديد من الشركات والمكاتب، يدفع إلى طرح تساؤل مرير: هل ثمة تواطؤ مع هذه الشركات، مقصوداً كان أم غير مقصود؟ وهل تركها تتحكم في أسعار الصرف نتيجة لعدم الجدية بمتابعة أعمالها ونشاطاتها من جانب الأجهزة الرقابية، أم لقصور في القوانين؟ وهل ثمة شراكات مخفية بين شركات الصرافة وموظفي الرقابة على أدائها؟
لم تعد كلمات التراخي، وعبارات التساهل، ومترادفات التواطؤ والغياب المقصود.. إلخ، كافية للدلالة على تقصير المصرف المركزي، في هذا الجانب، بل إن ما سُّرب من معلومات حول التحقيق مع عدد من العاملين في المصرف المركزي يثير القلق. وفي حال ثبوت ارتكابات معينة، فإن الطامة ستكون كبيرة، وما قد تُظهره الأيام القادمة، الحبلى بالمفاجآت الاقتصادية والنقدية، لن يسر الخاطر. بمعنى أن السيناريو الذي تتفاخر بعض الجهات وإدارة المركزي به، حول إلقاء القبض على مخالفين، والاستحواذ على شركات صرافة، هي بحكم المؤكد إجراءات مهمة، لكنها تأخرت إلى الحد الذي أفقدها جدواها، وأطفأ بريقها، بل يمكن وصفها بأنها إجراءات ولدت شبه ميتة.
تعطي المحاسبة في وقتها المناسب مفاعيل إيجابية، وتترك آثاراً طيبة، وإغلاق شركات صرافة ومكاتب في دمشق واللاذقية والسويداء، كانت رسائل واضحة للجميع، بأن عجلة المساءلة قد تطول كل الرؤوس الكبيرة، والشركات والمكاتب كافة، وهو المطلب الذي نادينا به منذ زمن طويل، وقابله المركزي بالتجاهل. وقد غدا مثل هذا المطلب وغيره الآن، الخطة التي يطبقها المركزي بالتعاون مع الجهات الأمنية، خطة انتظرت أكثر من سنة ونصف السنة، لتخرج إلى العلن، على نحو لم يكترث به كثيرون.
ما يحدث في سوق الصرافة يثير الشك والتساؤل، هل إغلاق كل هذه الشركات والمكاتب، يسهم في حل مشكلة أسعار الصرف؟ وهل ترك هذه الشركات تتمادى في مخالفاتها، وتستغل الإجراءات والتسهيلات، ومن ثم القيام بحملة الإغلاق أمر إيجابي؟ إن عدم الثبات والاستقرار في سعر الصرف لايمكن النظر إليه ببراءة، أو بحسن نية، كما لايمكن إغفال دور الجهات العامة التي ساهمت من حيث تدري أو لا تدري، بتغذية الارتفاع الدائم لهذا السعر. فالقرارات التي اتخذها المركزي منذ بدء الأزمة، لاسيما المتعلقة ببيع المواطنين كميات من القطع الأجنبي، ومن ثم فكرة المزادات التي نال شركات الصرافة غيثها، كلها إجراءات أظهرت حال التخبط الذي يعانيه متخذو القرارات غير الصائبة وغير المدروسة للمركزي، والتي أدت إلى الدفع لتفاقم أزمة سعر الصرف. وانعكس ذلك على كل مناحي الحياة، وأدى إلى تدهور الحياة المعيشية تدهوراً سريعاً ومتواتراً، وظهور حالات فقر مدقع، لم يعد الإجراء الحكومي العادي والبسيط ينفع في معالجتها. فالمقدمات الخاطئة، والقرارات المستعجلة، تؤدي حتماً إلى كوارث اقتصادية واجتماعية، يصعب جداً مواجهتها. وهذا ما حدث في سوق الصرف. وما إغلاق عدد من مكاتب وشركات الصرافة سوى واحدة من سلسلة إجراءات أخرى مطلوبة، فلا الإغلاق يحل القضية، ولا ترك هذه الشركات تلعب في السوق بلا رقيب ودون نواظم يسهم في استقراراها. وها هي ذي المشكلة في سوق الصرف، إما المنع الصارم أو السماح بلا قيود، لأننا لم نستطع إيجاد المسافة المطلوبة الفاصلة بين الحالتين، مسافة تحدد الواجبات والحقوق، لتكون الرقابة بكل أشكالها وفقاً للقانون هي الفيصل، وليست السيف المسلط.