الجمر يبقى والدخان يتلاشى
مَن قال إن الأنهار العظيمة قد تتعب من الأمطار المتساقطة عليها، أو تكلّ وتتخاذل عند اقتحام الوديان العميقة السفوح الخطيرة؟!
وهل وجدت البحار والمحيطات إلا لحمل السفن، والقمم إلا لاستقبال ثلوج السماء وعواصف الصيف؟
ولا يعيق تقدم الزوابع ويعمي بصرها كثرة الرمال المحيطة بها، بل تأخذ تلك الرمال درعاً لحماية تقدمها والفتك بكل خفيف من حولها.
وبعضهم يخلط وجع الرأس بوجع الضمير، وجراح الكرامة بجراح الأبدان، وكسر الخشب بكسر العظام، ودموع العين بدموع القلب، وألم البطن بألم الروح.
إنهم كالنار المضرة، لا تفرق بين اليابس والضار، وكالمطاحن التي تطحن القمح والشعير، والعدس والتراب، واللب والقشور.
ولا يلام الجاهل إذا قاوم الحريق بالقش والأعشاب اليابسة، أو كتب مذكراته فوق وجه الماء، أو حاول تعلم السباحة في المستنقعات الموحلة والسواقي الضئيلة، والجداول الضحلة.
إن المعارف والثقافة والعلم والتعلم متاحة للجميع، فهي كالشمس، تشرق على الكبير والصغير، وهي كالأمطار الساقطة على الأراضي العطشى والمروية، لا تفرق بين الأشرار والأخيار، إنما الفرق الوحيد هو بتلك العقول التي تتلقى المعارف، فمنهم كالحبة وكالشتلة وجذر الشجرة، يمتص كل قطرة ماء ليستفيد منها في نموه وارتفاعه، ومنهم كالأحجار الصلدة القاسية، تسدّ مجرى النبع، فلا هي تشرب، ولا تدع غيرها يستفيد.
وما أكثر الذين يلحقون الراقصات، وما أقل أولئك الذين يتابعون الفيلسوف!
لا تصابوا يا أصدقائي باليأس. وخيبة الأمل من قلة من يتابعونكم ويقرؤون كتاباتكم أو يبتاعوا كتبكم. فقد يباع كتاب ما عن الطبخ أو الموضة وتسريحات الشعر أكثر بألف مرة من رواية أو ديوان شعر. إنه كم هائل، لكنه خفيف، وإذا رأيتم الفارغ على السطح يظهر في كل يوم وفي كل وقت، فما يزيد ذلك من قيمته، وباعتلاؤه المنابر لا يجعله عظيماً، ألا يرتفع الدخان وتبقى الجمرة مختبئة تحته؟!
ستبقى أغصان النخيل والزيتون شامخة ومرتفعة ما دامت لا تحمل الثمر، أما إذا حملت وامتلأت وقتذاك فقط سوف تتواضع وتنحني نحو أمها الأرض.
ولا شيء يجعلنا عظماء كالمعارف العظيمة، المرفقة دائماً بتواضع أعظم منها.