تهاني

سنكتب عنهم لأنهم يستحقّون، أولئك الذين يمضون معظم أوقاتهم في العمل، ربما لتستمرّ الحياة رغم رماديتها المحيّرة، وربما ليخففوا من وطأتها، فتصير أقلّ كآبة، إن لم يكن أكثر سعادة. أولئك الصامتون الراضون بأقل مستوى مما يتطلّب العيش، والسّاعون بما هو فوق مقدرتهم على الفعل في محاولة لإنتاج أشياء مُرْضية، وقادرة على المضيّ بمجتمعهم الصغير إلى حيث يطمحون. أولئك الذين يرسمون ابتسامات صافية، نقيّة وصادقة، يقابلون بها الناس في المكاتب وخلف الآلات، في الشوارع وفي البيوت، تحدوهم الثقة بأن الزمان الجميل سيطرق الأبواب قريباً، غير عابئ بالراهن اللامعقول.

لكلّ منا أن يعدّ نفسه معنيّاً بهذا الكلام ما دام يقف على الخطّ الفاصل بين الاخضرار واليباس، متطلّعاً لزيادة مساحة لون على حساب لون آخر. وما أكثر من يفعلون! والدليل أمامنا، فعبر أكثر من سنتين ما زال الوطن يصدّ عن عيون أبنائه أجنحة الخفافيش، وطيور الظلام. ما زالت سوريانا صامدة في وجه هذه الحرب القذرة، وقادرة على الصمود أكثر وأكثر، وحتى ييأس الغادرون. هي أمّنا، وعليها أن تكون كذلك، وتبقى. وأولئك المتطلّعون إلى زيادة الاخضرار يعدوننا كل يوم بصدق سرائرهم، وصفاء نواياهم، وبحقن الجغرافية والتاريخ بكل متطلّبات الصمود، والتفاؤل، والتطلّع إلى الآفاق المنفتحة على أكثر من فضاء.

للجنود الأصلاء، رجال جيشنا الباسل، أجمل ما نستطيع أن نكتب، وللجنود الآخرين في حقولهم ومصانعهم، وفي مكاتبهم، وخلف مقاعد الدراسة، إلى أي مكان يحتوي جندياً نظيفاً، يجب أن نكتب. وإذا كانت الكتابة وسيلتنا للتعبير، فهي واحدة من وسائل عدّة، فنحن نعرف أيضاً كيف نحمل البندقية، وكيف نقاتل، فقط ننتظر أن يدعونا الوطن، وسنلبّي. وما من نظيف خدم الخدمة الإلزامية إلاّ ويتذكّر محاولاً استعادة ما تعلمه من فنون القتال، واضعاً بحسبانه مجيء يوم يعانق فيه الجنود الأصلاء ليثبت أنه ليس أقلّ منهم بأساً وجسارة.

سنكتب أيضاً عن أولئك المنهزمين، فهم يستحقون منا أكثر بكثير مما أخذوا من رجال جيشنا، سنسلّط عليهم لعنة الكلمة، وشواظ الحبر، سنتحفهم بأبابيل اللغة العربية أكثر مما أتحفونا بلغاتهم الركيكة، والتي لا تنبئ إلاّ عمّا تضمره قلوبهم السوداء كأيديهم من شرور وأحقاد وضغائن. سنريهم أفعالنا، فلعلّهم يعقلون، ولا نعتقد أنهم سيعقلون، لأن العقل غادرهم منذ نزوعهم الإجرامي ضد البشر والشجر والحجر.

ولأن راية البلاد النظيفة لا يرفعها إلاّ أهلها النبلاء، يستحقّون أن نكتب عنهم وعنها، وأن نهنّئهم ونهنّئها، ونحن نرى ونلمس نتائج سلوكهم أينما توجّهنا، فمازال الاخضرار طاغياً على الأشجار على الرغم من محاولات الأصفر والأسود الحلول على الفصول كلها. يزيحون الغبش المتراكم في الفضاءات الضيّقة، ليرسموا ضحكات الأطفال رنّانة عند كل مفترق حديقة، وفي باحة كل مدرسة. لا يمكن تحديد أمكنة ينتمون إليها، فهم يتناثرون كالعطر في كل مكان، وكالضوء يخترقون عتمة الحزن العميم ليذكّروا الناس أن في الحياة ما يستحق أن نعيش لأجله، وأن في العمر متّسعاً للفرح مهما طال العمر، ومهما ندر الفرح.

العدد 1140 - 22/01/2025