هل الإجراءات الحكومية توازي متطلبات اقتصاد الحرب؟
اتجهت وزارة الاقتصاد إلى ما يسمى (اقتصاد الحرب)، وذلك عندما وجّه وزير الاقتصاد مؤسسات وزارته بضرورة التعامل مع الاقتصاد السوري كاقتصاد حرب، وتفعيل عمل الوزارة ضمن هذا العنوان، والإشارة إلى أماكن الخلل والفساد ومعالجتها مباشرة، والعمل على تلبية رغبات المواطنين، وذلك وفق ما ذكره معاون وزير الاقتصاد حيان سلمان في أحد تصريحاته.
ربما كان العنوان من حيث الظاهر والتسمية جديداً، ولكن من حيث الفعل قد يكون متأخراً، مع أن الحكومة قد أقدمت على تنفيذ بعض معالمه سابقاً. إلا أن اقتصاد الحرب ذو مفهوم واسع يحتاج إلى الكثير من الإجراءات الآنية، التي تلبي متطلبات العديد من المراحل المتوقعة وغير المتوقعة في آن واحد، فما هي إجراءات اقتصاد الحرب؟
اقتصاد الحرب يعني توسيع دائرة المخاطرة في كل عمل تقوم به المؤسسة سواء كانت خدمية أم إدارية، ومنح الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرارات والابتعاد عن الإجراءات الروتينية وتشكيل اللجان.
اقتصاد الحرب والمياه المعبأة والجبنة المستوردة
وفي حال أردنا ذكر أهم التوجهات التي يجب اتخاذها لتجسيد اقتصاد الحرب، فيمكن القول بأن الإجراءات الحكومية سابقاً وحالياً اتسمت ببعض التناقض. فهناك قرارات قد تشكل عبئاً على بعض القطاعات الاقتصادية، مثل القطاع الزراعي والحيواني والصناعي. وهناك قرارات تسير في مجراها الصحيح. فمثلاً كان الاستمرار في استيراد المياه المعبأة يشكل ضغطاً على القطع الأجنبي ويضعف إنتاجية الشركات المحلية، على الرغم من أن مادة المياه المعبأة ليست رئيسية، ويوجد بديل محلي لها. الآن تنبهت الحكومة إلى ذلك وأوقفت استيرادها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العديد من السلع مثل الجبنة المستوردة واللبنة المستوردة وغيرها من المواد الغذائية التي يوجد بديل محلي لها، وكان الأجدى دعم معاملها المحلية بدلاً من التوجه لاستيرادها.
الاعتماد على الاستيراد ونسيان الإنتاج المحلي
ومن الإجراءات التي تناقض اقتصاد الحرب عدم التركيز على القطاعات المنتجة، إذ إن كل اقتصاد يواجه عقوبات، ينبغي أن يعتمد بالدرجة الأولى على إنتاجه المحلي، وفي حال كان لا ينتج فإنه سيعتمد على الاستيراد.. وبالطبع اقتصادنا أخذ بالخطوة الثانية بسرعة دون اللجوء إلى الخطوة الأولى، وهي دعم المنشآت الصناعية في المناطق الآمنة، فإلى الآن لم تُنقل أي منشأة صناعية إلى منطقة آمنة، وإلى الآن عجلة الإنتاج متوقفة في الكثير من المنشآت نتيجة عدم نقلها إلى هذه المناطق. في حين نجد أن الشد والجذب في قضايا الاستيراد يعنون الصحف والتصريحات الحكومية، فمرة ترشيد الاستيراد، ومرة تمويل الاستيراد، ومرة عدم تمويله. وبطبيعة الحال فإن الاعتماد على الاستيراد وحده قد يجعل من الاقتصاد السوري اقتصاداً مستهلكاً وسوقاً فقط، دون أن يجعله منتجاً. ونحن لا نقول بأن الظروف الحالية تنفع في إقامة صناعات جديدة، بل نؤكد ضرورة تشغيل المعامل الموجودة أصلاً، والتي تحتاج إلى نقل فقط وتحريك عجلتها، أي أنها لا تكلف الحكومة سوى تأمين الأراضي اللازمة والبنى التحتية الأساسية فقط.. وبالطبع فإن الحكومة لن تتكلف الكثير على ذلك، لأن المناطق الصناعية التي ستقيمها في مناطق آمنة ستطرحها للاستثمار على الصناعيين المحليين، وبهذا ستحقق دخلاً لها، وفي الوقت نفسه تحرك العجلة الإنتاجية. ولا ننسى أن هناك مساعدات اقتصادية ستتحرك في هذا الشأن، ولكن قبل نهاية العام وفق ما ذكرته وزارة الصناعة، ولكن ما نجده أن العام شارف على الانتهاء دون تحرك.
رفع أسعار حوامل الطاقة
كما نجد أن هناك الكثير من القرارات الحكومية التي أدت إلى وضع عراقيل أمام الصناعة والزراعة وغيرها، مثل قرارات رفع أسعار الكهرباء في ظل الظروف الراهنة، ورفع رسم الإنفاق الاستهلاكي، وإلزام جميع المصدّرين بتنظيم تعهدات إعادة قطع التصدير، وعدم دعم الاستيراد في بداية الأمور، وترك الأمر للتجار والمستوردين في تدبير القطع من مصادرهم الخاصة، الأمر الذي أدى إلى رفع سعر صرف القطع الأجنبي وارتفاع أسعار معظم المواد، ورفع سعر المازوت والفيول أضعافاً مضاعفة دفعة واحدة دون تدرج، الأمر الذي أربك الشركات الصناعية الباقية في حلقة الإنتاج وضاعف التكلفة عليهم، هذا بالنسبة إلى الصناعة والتجارة، وقد تطول القائمة أكثر من ذلك.
الافتقار إلى رقم إحصائي وخريطة عن إنتاجنا
أما بالنسبة إلى الزراعة وما يتعلق بالثروة الحيوانية، فهناك قرارات منع تصدير الخضار وعدم ترشيده وتنظيمه ومعرفة حاجات السوق المحلية الأساسية. وبالطبع هذا الأمر يحتاج إلى قاعدة نفتقر إليها، وهي عدم وجود رقم إحصائي دقيق وخريطة واضحة المعالم عن إنتاجنا الزراعي والصناعي والحيواني. فيجب أن نعلم ما لدينا وما يتوجب علينا أن نؤمنه، ودون هذه الأرقام لا يمكن التحرك وإصدار القرارات. وفي حال صدرت فإنها ستكون عشوائية وقد تضر بجميع الأطراف وأولهم المستهلك النهائي. أيضاً الزراعة تأثرت كثيراً برفع أسعار المحروقات وتضاعفت تكاليف الإنتاج، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مربي الأغنام والدواجن، إذ تضاعفت تكاليف الإنتاج، نتيجة ارتفاع سعر الصرف وتأثير ذلك على الأعلاف. وهنا نجد أن أي أجراء يتخذ ولم يكن في مكانه سينعكس سلباً على سائر القطاعات، وقد لا تظهر نتائجه مباشرة، بل ربما تحتاج إلى فترة من الزمن. والآن أصبحنا نلمس آثار القرارات السابقة في عدم استقرار الأسعار رغم استقرار سعر الصرف. فقد دخلت العديد من العوامل التي حُملت على سعر المنتجات، مثل ارتفاع أجور النقل وارتفاع التكاليف.. وإلخ.
ترشيد الاستيراد وتسهيله مع التشاركية في القرارات
وبالنسبة إلى الاستيراد، فإنه أساس في اقتصاد الحرب، لأنه قد يحدث فقدان لبعض المواد الأساسية والسلع الغذائية نتيجة تعرض المنشآت الصناعية للتوقف. وهنا لا بد في بداية الأمر من ترشيد الاستيراد وحصره ضمن الأساسيات فقط، وأن لا يُحصر ضمن جهة معينة، وذلك لتحقيق عنصر التنافسية بين مختلف الأطراف. وبالطبع مع التركيز على أن يكون للحكومة اليد الطولى في استيراد المواد الغذائية الأساسية، حتى لا يكرّس ضعاف النفوس الاحتكار، وأن يحدث نوع من التشاركية بين القطاع الخاص والعام حيال اتخاذ القرارات والإجراءات الحكومية، لأن كلا القطاعين في مركب واحد. مع التركيز على أهمية أن يكون للقطاع الخاص دور في تأمين المواد الغذائية الأساسية من جهة، والثانوية من جهة أخرى. أي أن يكون مساعداً للمؤسسات الحكومية، مع مساعدة القطاع الخاص الصناعي على استيراد مواده الأولية اللازمة لتحريك العجلة الإنتاجية المحلية، التي من شأنها أن تخفف الضغط على القطع الأجنبي وتؤدي إلى انسياب السلع في الأسواق بيسر وبأسعار منافسة ومناسبة.
فرض قوانين صارمة والحد من انتشار السوق السوداء
اقتصاد الحرب يعني فرض قوانين صارمة على السوق لمنع التلاعب والغش والاحتكار. وهنا نجد أن هناك الكثير من المؤسسات الحكومية غابت عن السوق، على الرغم من أهمية دورها، مثل هيئة المنافسة ومنع الاحتكار التي لا نسمع سوى عن تقاريرها عن الأسواق فقط، دون أن تصرح عن أعمالها. في حين نجد أن الجهات الرقابية على الأسواق تعمل بكل جهدها، إلا أنها لا تستطيع بإمكاناتها الحالية أن تغطي كامل السوق لقلة عناصر الرقابة. وبالطبع فإن الظرف الاستثنائي يؤدي إلى ظهور (قناصي الفرص)، وهم تجار الأزمات والسوق السوداء. وهنا على الجهات الرقابية أن تعمل بالتعاون مع العديد من الجهات والمواطنين أيضاً على مكافحة السوق السوداء وعدم السماح له بالامتداد إلى الحاجات الأساسية للمواطنين. وبالطبع التركيز توعية المواطنين في مختلف المجالات، سواء الاستهلاكية أو أي طارئ قد يحدث على أي صعيد آخر.
التدخل الحكومي القوي في السوق.. والتنسيق الدائم
اقتصاد الحرب هو أن يكون للحكومة الدور الأكبر في السوق وأن تتدخل بقوة. وهذا ما نلمسه في حقيقة الأمر، فقد قامت الحكومة بتوسيع دائرة المواد الغذائية التي تدخل ضمن نطاق الدعم، كما وجدنا ذلك من خلال التوسع في منافذ التدخل الإيجابي، إضافة إلى أن يكون هناك تنسيق دائم بين مختلف الجهات والوزارات، وأن لا تعمل كل جهة بمفردها.
عدم تضيق الخناق أكثر على المستهلك.. وتوظيف البطالة
اقتصاد الحرب لا يعني تضيق الخناق أكثر على المستهلك من الناحية المادية، فعلى الرغم من الزيادة الأخيرة في الرواتب والأجور، وهي التي لم تطل سوى الموظفين في القطاع العام، إلا أن هذه الزيادة لم تسد الحاجة الفعلية للأسر، إذ إن هذه الزيادة قابلها ارتفاعات متتالية في الكثير من الخدمات.. مثل أجور المواصلات والمازوت والتعليم.. وبالطبع جميع السلع الغذائية والدواء، وحاليا أجور الأطباء والمشافي الخاصة. لأن المواطن هو الركيزة وهو من يتحمل في النهاية ويجب على الحكومة البحث عن مطارح ضريبية أخرى تكون بعيدة عن المستلزمات الأساسية التي تمس شريحة واسعة من المواطنين. أي يجب إيجاد توازن حقيقي وفعلي قبل اتخاذ أي قرار له تأثير على المواطنين، ودراسة احتياجات الأسر في ضوء الدخل الحقيقي لها مع دراسة معدلات البطالة والسعي قدر الإمكان لتوظيفها، لأن ذلك قد يحدث مشاكل اجتماعية، مثل السرقة والنهب وغيرها، ونحن بغنى عن ذلك.