هُزٍمْنا … ولم نهرم بعد

في المرويات المتداولة أن رجلاً طاعناً في السن جمعته المصادفة في غرفة بفندق من الدرجة العاشرة بشاب يضج قوة وحيوية، وهما عابرا سبيل، كان الوقت أواخر الخريف بنسماته الباردة ليلاً، بعد أن تعارفا وحكى كل منهما مقصده من المجيء إلى المدينة الكبيرة الموحشة. أراد العجوز أن ينام، أطفأ الأضواء وتلحف بما توفر من أغطية على سريره، لكن البرد كان يتغلغل في عظامه لأن الشاب فتح نافذة الغرفة ليشم الهواء النقي. طلب منه العجوز أن يغلق النافذة لكنه رفض، أصرّ العجوز وزاد الشاب عناداً على رأيه.. قام العجوز وأغلق النافذة بعصبية.. وما إن اندس في سريره حتى قام الشاب وفتح النافذة وجلس على سريره متوفزاً. أعاد العجوز إغلاق النافذة فأعاد الشاب فتحها، وتكررت الحالة مرات عدة حتى بدا أن الليلة لن تمضي على خير.. أخيراً، وبعد أن فقد الشاب أعصابه حمل مزهرية خزف كانت على الطربيزة بجانب سريره ورماها على النافذة، سمع العجوز صوت انكسار البلور فأيقن أنه انهزم في معركته مع الشاب..

أما الشاب فقد تمدد على سريره مطمئناً إلى الحسم الذي انتهت به معركة أم النوافذ، واستغرق في نوم عميق على وقع النسمات اللطيفة من النافذة التي أصبحت الآن مفتوحة إلى الأبد.

وأما العجوز فقد أمضى ليلته وهو يرتجف من البرد ولم تكف كل ما في الغرفة من أغطية وشراشف لتدفئته.

صباحا حين استفاق الاثنان فوجئا أن بلور النافذة سليم.. وأن ما انكسر لم يكن سوى مزهرية الخزف بعد أن أخطأ الشاب الهدف وارتطمت بالحائط إلى جانب النافذة.

لكن النتيجة أن الشاب شبع نوماً وهو يظن نفسه يتنفس الهواء المنعش من نافذة لم تعد موجودة. والعجوز لم يذق طعم النوم ظناً منه أن النافذة صارت مفتوحة لهبات الهواء البارد على عظامه المتعبة.

الانتصارات الوهمية أخطر من الهزائم، الهزيمة غالباً ما تكون دافعاً للنهوض من جديد، والتأسيس لنصر قادم، أما الانتصار الوهمي الخادع فهو ممر إجباري للوهن والطمأنينة الكاذبة إلى جسد المنتصر  الضحية. سرعان ما سيجد المنتصر نفسه أسير انكساره الكبير حين يستفيق من نشوته، وتكشف شمس الحقيقة مسارب الوهم وتحرق عفن الإجابات الجاهزة.. اليقين المريض.

 لكن ذلك الذي نام على انكسار ثم وجد نفسه على ضفة العبور إلى نهار أجمل فلن يضيع بوصلته هذه المرة، والطريق إلى مواسم الحصاد يمر بزرع ومطر وتعب وانتظار.

أما الزرع فقد تكفلت به يدان لا تعرفان التعب، يدان تربكان طمأنينة التراب وتضعان بحنو بذرة الأمل حيث يجب أن توضع في ثنايا الأرض.

وأما المطر فهو وعد النهر لأرض لا تفتأ تحيطه بصفصافها وعشبها حتى لا يتوه في البراري القاحلة، وعد بحر لا يخلف ميعاد موجه ويحفظ وجوه الراحلين منه إليه.

ثم يأتي التعب ليكتب سيرة إنسان صعد إلى هذه الأرض بلا تفاح ولا شيطان ولا أفعى.. فقط كان ثمة سحر أنثى تنثر جدائلها على الوقت فيصير نهاراً.

ولا بد من الانتظار.. الانتظار الذي يرمم جراح الحلم ويفتح أبواب الأسئلة القلقة المبدعة. الانتظار الذي ينجب أناشيد وحكايا تملأ ليل المسافرين إلى غد لا يأتي إلا مشفوعاً بمزيد من الأسئلة.

ربما أتعبنا الكلام العائم.

لمزيدٍ من الإيضاح.. سورية التي ولدت قبل أن يخطو التاريخ خطواته الأولى على الماء، تتأرجح الآن على أرجوحة قلقة، أبناؤها يسبحون في دمائهم وحيرتهم: هل كل الطرق إلى الحرية محفوفة بكل هذا الخراب؟

كم من منتصر سيكتشف بعد طلوع النهار أنه ضحية وهم صنعه هو أو باعة وهم!

كم من مهزوم سيعيد كتابة التاريخ كما هو لا كما كتبه الأقوياء، فيمشي على رجليه بعد أن تعب من المشي على رأسه!

ومن الآخر كما يقال: لن يكون على هذه الأرض منتصر سوى سورية الشعب والتاريخ والحضارة.. ولن يكون هنا مهزوم سوى من يستخف بالحياة.. ولشديد الأسف (ثمة على هذه الأرض من يستخف بالحياة).

العدد 1188 - 25/02/2026