الطبع… والتطبع

تتبع رؤوس الأشجار ضوء الشمس رغم أنها لا تملك عيوناً، وتمتد جذور السنديان عميقاً في ظلمة التراب من دون أن تخطئ في زحفها، ويهتدي جذر الوردة الصغيرة إلى الماء والغذاء من دون تعب أو اضطراب.

وتجري الساقية وتمِشي الجداول صوب النهر، والنهر لا يمكننا أن نجده هادئاً وإن غشّنا سكونه، وهو يركض نحو البحر دون أن يدلّه أحد على الطريق.

إن الطاقة الخفية التي تحرك وتسيّر الأشياء والأحياء من حولنا طاقة عظيمة، جبارة وبسيطة، كأشعة الشمس، نحسّ بها ولا نراها، مَثَلُها مثل الوردة، تنبت وتكبر وتعطي عطرها دون أن نجبرها على ذلك (فإذا شرّحنا الوردة بالسكين فلن نجد العطر)، العطر نجده في صبرنا وانتظارنا. هو موجود، وطاقته مخزونة داخل البذرة.

وترتفع الأمواج من دون أعمدة، وتنتقل العواصف وتقتلع كل شيء هشّ يصادفها دون أن نرى أجنحتها أو مخالبها، وقد يحلّق الفكر بعيداً، وصاحبه منعزلاً داخل مكتبة صغيرة. إن العالم يتسع لكل مَن يطلب المعرفة والعلم، ويضيق على أولئك الذين لا يرون أبعد من أنوفهم.

ولا يهم لون الخنجر ما دام قادراً على القطع، ولا شكل الفخ إن كان مدوّراً أو مستطيلاً، المهم أن يُنصَب في الوقت المناسب، والمكان الصحيح.

وقد نرى البحار هادئة، ساكنة ولطيفة، لكننا بالمقابل لا نرى الوجه الآخر للبحر، من قتل القوي للضعيف، وابتلاع الكبير للصغير، فالسطح ناعم وهادئ، والباطن قاس ومميت.

إن التعلم وشرب المعرفة بوساطة العيون، يضيف إلى عقل الإنسان عقولاً أخرى وطاقات جبارة، وأفكاراً كثيرة، إنما ذلك لا يحدث لكل إنسان.. فالناس أنواع، منهم الصقور والنسور، ومنهم الدجاج والغربان، بعضهم يأكل العسل واللحم والسمن العربي، وبالمقابل قد لا نجد في كلامهم إلا خفة العقل وقلة الأدب، وفي أفعالهم كثيراً من السم واللؤم والغضب.

والعاقل الحكيم يتواضع فيتعلم، والفاسق المهذار يكابر ويتكبر فيبقى الجهل رفيقه، والفشل صديقه الدائم.

إن الطبع أصيل في الأشياء والأحياء.

والتطبع زائف وظل زائل، فمهما حاولنا إقناع الخنازير والضباع والخفافيش والصراصير بأن لا تغدر أو تخون، أو تلوث الأماكن التي تمر فيها وتسكنها فلن تجدي محاولاتنا نفعاً، ولن تردعها كثرة المواعظ وقراءة الحكم والأمثال على أسماعها!

ويبقى البحر مالحاً وإن صبّت في أعماقه أعذب أنهار العالم، وهطلت على سطحه أنقى الثلوج.

إن حياة الإنسان تشبه إلى حد بعيد حياة الطبيعة وفصولها، فهي تمر بمراحل، هناك فصول ومواسم باردة ومثلجة، معتدلة وربيعية، لاهبة وحارقة، ومثلما لحياة بني آدم فصول ومواسم، كذلك هي الحال مع عقله وروحه، لكن البعض يكابر ويخالف الطبيعة ونواميسها، فيمضي حياته زاحفاً، وفي فصل واحد ووحيد، رافضاً الأجنحة، ومصمّماً على عدم الانتقال من فصل الخريف إلى فصل الربيع.

العدد 1140 - 22/01/2025