دفتر الأحلام

عقدتُ (صفقة) بيني وبين دفتر الأحلام منذ عقود، حينما كانت الأحلام فراشات ملونات ينتظرنَ ساعات الصباح الأولى على بوابة الذاكرة، التي تفتح نوافذها للشروق الجميل، وللفراشات القادمات من أعماق الأيام والسنين، في غناء وعزف على أوتار وردية، يتنقلن بين مساكب الحبق والنعناع.. يشكلن خيمة فوق رأسي ويهمسن لي بجميل الكلام وسخاء الألحان. فأنهض من نومي بعد ليل ساكن. سحبت قلمي من تحت الوسادة وسجلت في دفتري ما يلي: إن نجمات ساهرات كُنَّ يبحثن عن قمر لم يكتمل، وعن حارس يحميهنَّ من رواد الظلام ولصوص مجهولين، قدموا من جهات الدنيا الأربع، تتدلى لحاهم المصبوغة بالحناء، ويقرؤون بصمت في الأنفاق المعتمة كلاماً بلغات مختلفة.

منذ عامين ونصف وأيام وساعات حتى هذه اللحظة، ركنتُ دفتر أحلامي على رفّ المكتبة.. وتركت غبار السنين يتجمَّع فوقه، لاعتقادي أن كل شيء أصبح ملوثاً. ولم أعد أصدّق أحلامي التي كانت صديقاً وفياً مخلصاً لي، على الرغم من أنني لم أحقق حلماً واحداً يفتح لي درباً لمستقبل آمن ، لكنها كانت تحقق بعض السعادة المؤقتة، وتزيل بعض ما ترسب من أوهام كانت تشكل في يوم من الأيام أنموذجاً من الرومانسية، غدت الآن مخترقة ومشوّهة!

وعندما ضغطتْ يدا الشوق على رأسي.. ودغدغت الأنامل ما بقي فيه من شعر أبيض، تفتحت رئات الذاكرة وبدأ الأكسجين يتسرّب من مساماتها، فانتعش قلبي وتقافزت نبضاته بين أغصان الأحلام، التي سرعان ما تبرعمت واخضرت أوراقها، وأنا أنتظر بفارغ  الصبر ثماراً طازجة،  تزيل مرارة ما يجري على أرض سورية، وتقطع حبال الألم وأوهام الغزاة الحاقدين الأشرار.

حاولتُ قراءة بعض الخواطر من دفتري بعد أن مسحت عنه الغبار، وتذكرت كيف أنني حفرت ساقية بأظافري، وكيف اختلطت دموع الفرح بماء النهر الذي شقَّ طريقه في تضاريس صعبة ومعقدة، واجتاز عتبات صخرية صلبة. وعجزت أدوات الحفر والطمر (قديماً وحديثاً) عن أن تردمه وتمنع وصوله إلى المصب..!

وفي الصفحات العشر الأولى كانت أحلام الشباب هي المسيطرة في توهجها وتألقها محمولة على أجنحة الأمل.. وما تلاها في خمسين ورقة من القطع الوسط، كانت معقدة التضاريس بين قمم وتلال وسفوح ووديان، وحروب وسلام وزوال وانهيارات وحب وغضب وولادات لم تكتمل. فبعد الصرخة الأولى فارقت الحياة.. وهكذا. وفي هذه الأيام لم يعد للأحلام مكان وللسنين أمان.. وهبَّت على المنطقة رياح محمّلة بالشوك والرمال، قادمة من نجد ووهران ومن بلاد الشيشان والأفغان، يرتدون ثياباً مصنوعة من صوف نجران باعها النخاسون في أسواق عمَّان!

اعتصرتُ أفكاري ربما أجد حلاً كي أستعيد القوة والنشاط لمتابعة تدوين الخواطر والأحلام.. ولم أكن متشائماً كثيراً، بأن أترك كل الأشياء للقادم من الأيام، بل مسحت (الغبش) الذي يغطي عينيَّ وركزتُ زاوية الرؤية جيداً، وقرأت ما يجري في ساحات المدن والقرى. وخرجتُ بنتيجة أن أعود إلى دفتر أحلامي وأضعه على مكتبي، وأجدد قلمي وأحبّره من دماء الشهداء ودموع الأمهات والزوجات والحبيبات، وأرسم وردة في كل صفحة وأكتب عن أحلام المستقبل لوطن حرّ وشعب سعيد..!

 

العدد 1140 - 22/01/2025