الأصالة في تأسيس البناء

الزاوية الأسبوعية في هذا العدد ستختلف عما كتبت في الأعداد السابقة. السبب أنني حينما أنهيت قراءة الكتاب الصادر حديثاً بعنوان (ذكريات عبد الجليل بحبوح)، اندفعت بحماسة شديدة لإيفاء الرفيق الراحل (أبي فياض) بعضاً من حق عليَّ وواجب رفاقي وصداقة طويلة ربطتني بهذا الرفيق المناضل.

لقد صدر منذ عقود كتب وكراريس عديدة ووثائق مؤتمرات ودراسات ومذكرات لرفاق في قيادة الحزب، منها على سبيل المثال للرفاق (يوسف الفيصل، إبراهيم بكري، نبيه رشيدات، دانيال نعمة.. وغيرهم)، وأخيراً وليس آخراً مذكرات الرفيق أبي فياض.. وجميع هذه المذكرات والقراءات للمراحل التي عمل فيها هؤلاء الرفاق، وأشكال النضال في العهود العلنية ونصف السرية والسرية التامة، وجميع هذه التجارب الذاتية والجمعية في حزب شيوعي تأسس في عام ،1924 كوَّنت أساس البناء لحزب ماركسي لينيني في بلد من العالم الثالث (النامي).

لقد عرَّفت هذه المذكرات المؤلفة من 232 صفحة القارئ، على جزء هام من حياة مناضل وطني اختار أصعب الطرق، بقناعة وإيمان بالفكر الماركسي من أجل حياة كريمة ووطن سعيد. وتعرض لأبشع وأقذر أساليب التعذيب الوحشي في السجون والمعتقلات السورية، في فترتين يفصلهما عقد ونيّف (1958 – حزيران 1970 ).

طفولة شاقة وشاب يبحث عن رغيف وكتاب طموح ودؤوب ومثابر .. وكانت الخطوة الأولى العضوية في حزب سري، تعرض المئات بل الألوف من أعضائه للمطاردة والسجن والتخفي ومغادرة الوطن.. وهكذا وأنت تقرأ مذكرات (آلام) الرفيق عبد الجليل وتأسيسه لعديد المنظمات والعمل الحزبي مع منظمات عمالية وفلاحية ومثقفين وغيرها، ترتجف أعصابك ويمكن ألا تقوى على متابعة قراءة فصلَيْ السجن، خاصة في الاعتقال الثاني (حزيران 1970 ) عندما كان موظفاً في وكالة (سانا) للأنباء، واستشهاد الرفيق مصطفى الزعبي قبل اعتقاله بأيام.

إن الغرسة الصغيرة التي زرعها المناضلون البواسل في حقل الوطن الواسع، أزهرت رغم الرياح العاصفة، وتبرعمت رغم الرعود والبروق، وأثمرت رغم سارقي الثمار ومحاولة اقتلاع الجذور من تربة النضال.

ومن يقرأ الصفحات القليلة عن تعذيب الجلادين، يتذكر حياة ألوف المناضلين الذي تركوا حروفاً من أسمائهم على جدران الزنازين وبقايا دماء.. يتذكر الأقدام العارية والأناشيد الثورية وقصائد ناظم حكمت ونيرودا وكتابات نجيب سرور وصمود فرج الله ورفاقه.. وكثيرون لا يزالون جنوداً مجهولين لم يذكرهم أحد، لا في صلواتهم ولا في مذكراتهم وأحاديثهم.

يتحول أبو فياض  بسبب التعذيب إلى كتلة لحمية لا حركة فيها ولا كلام .. كل شيء من أعضاء جسمه تحول إلى ألم شديد لا يوصف.. ألقاه أمام باب المنزل ثلّة من السجانين وتركوه جثة لا حياة فيها.

ظل أبو فياض رغم الأوجاع رفيقاً أميناً للفكر الماركسي ورفيقاً مبدئياً، تدرّج رغم كل الظروف الحزبية وما فيها من (ولاءات) أحياناً، إلى أن أصبح عضواً في المكتب السياسي بعد توحيد ثلاث منظمات شيوعية في المؤتمر السابع الموحد عام 1991 عشية زوال الاتحاد السوفييتي وفشل تجربة الاشتراكية.

إن أساس البناء الذي شارك فيه الرفيق عبد الجليل، وألوف المناضلين سيظل شامخاً وعالياً وصامداً في وجه الرياح العاصفة ومن أية جهة جاءت.. وأخيراً أنصح بقراءة هذه المذكرات لما فيها من آلام وعذابات هي الأمل في أن كرامة المواطنين والأوطان لا يمكن أن تتحقق دون نضال وجهود وعمل جماعي.

العدد 1195 - 23/04/2026