لقد كان شيوعياً حقيقياً
في عام 1959 وبعد مرور عدة أشهر على بدء حملة الاعتقالات الواسعة ضد الشيوعيين السوريين، وكان قد استقر تقريباً عددهم في سجن المزة، نشب ما يشبه الخلاف بين النزلاء. ولم يك ذلك حول تفسير مبادئ الديالكتيك، أو الموقف من عبد الناصر. بل حول قضية بدت في ذلك الحين هامة وملموسة بالنسبة لهم، إنها مسألة تأميم المواد الغذائية (بعض الخضار والفواكه) التي يجلبها زوار السجن من الأهالي إلى ذويهم من المعتقلين. فقد كان هناك فارق كبير بين إمكانات الأغنياء والفقراء منهم، وبين إمكانات نزلاء المناطق القريبة من دمشق والبعيدة عنها، وكان لكل من المؤيدين والمعارضين للموضوع حججهم وذرائعهم.
وكان أن اتخذ أبو فياض موقفاً مبتكراً لحل هذه (المعضلة). (لندع النقاش حول الموضوع جانباً). في اليوم المحدد لزيارة الأهالي الأسبوعية إلى السجن، نُشِرَ غطاء من (المشمع) على المصطبة في نهاية المهجع، وعلى من يرغب في المشاركة أن يودع الأكياس التي يجلبها له أهله بما تحتويه على الزاوية التي خصصت لذلك، ومن لا يوافق على (التأميم) فليحتفظ بها لنفسه على موقع فراشه الخاص به. وهكذا، عندما لم يتخلف أحد عن المشاركة، فقد أصبح كل ما ورد من (مواد غذائية) في آخر النهار ملكاً لجميع نزلاء المهجع يوزع عليهم بالتساوي، وحسمت قضية التأميم في سجن المزة بهذه الطريقة. واستمرت هذه الحال حتى نهاية فترة الاعتقال.
لم تستطع سياط الجلادين، وما تعرض له أبو فياض من تعذيب، أن تليِّن عريكته، أو تبديل قناعته من أن المستقبل هو للحرية والديمقراطية مهما قدمت في سبيلها من تضحيات، وطال الزمن لبلوغها. وظل متمسكاً بهذه القناعة حتى آخر لحظة من حياته. ورغم معاناته مع عائلته من شظف العيش وصعوبات الحياة، ومن الأمراض المزمنة. كان زاهداً في الثراء، غنياً في العطاء. لم يتوانَ يوماً عن تنفيذ أي مهمة يكلفه بها الحزب بكل حرص وأمانة. عمل في منظمة الحزب في مدينة دمشق. وعرفه الفلاحون في قرى وبلدات ريفها. كما عرفته المنظمات الفلسطينية المختلفة التي كان على صلة وطيدة ودائمة معها. وعايش ظروف العمل السري القاسية في سورية ولبنان. وليس من قبيل المصادفة أنه تكنى بأبي فياض تيمناً بفرج الله الحلو كبير شهداء الشيوعيين في سورية ولبنان. وبعد سنوات من مسلسل انقسامات الحزب، كان أبو فياض من الكوادر الأساسية في (منظمات القاعدة) التي ساهمت في إعادة توحيد فصيلين من فصائل الحزب في مؤتمره السابع، بإدراك منه أن وحدة الحزب أكثر أهمية من أي تباين في وجهات النظر، وأن الحياة أكثر غنى وقدرة على حسم أي خلاف ، مادام الجميع ينطلقون من مصلحة الحزب والشعب والوطن العليا.
وكانت داره مع توءم حياته ونضاله زينت نبُّوه (أم فياض) أحد مواقع الحزب الهامة في دمشق التي لم تخل يوماً من اجتماع أو ندوة أو ضيوف من منظمات الحزب في المحافظات الأخرى، أو حتى من حفلة سمر صغيرة في إحدى المناسبات السعيدة. كما سقى بكل ما يملك من حب وعطف ورعاية أسرته الطيبة المكونة من زوجته الرفيقة زينب نبوه وأولاده فياض ووفاء وزويا.
ليس الشيوعي من يفهم الماركسية جيداً ويطبقها على أرض الواقع الملموس بطريقة خلاقة وحسب. وهو ليس المناضل الصلب الذي يهب حياته كلها من أجل حرية الوطن وسعادة الشعب، وكرامة المواطن فقط. إنه، مع أهمية وضرورة كل ذلك، هو الإنسان النزيه المخلص في عمله في أي موقع كان، الصديق الوفي لحزبه ورفاقه. المحب للناس البسطاء والطيبين. المتعاطف مع قضايا الكادحين والفقراء، الطامح والساعي دوماً إلى تحقيق مصالحهم في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. هكذا كان عبد الجليل بحبوح. فإن تك تعرفت يوماً عليه، فقد عرفت شيوعياً حقيقياً.