دور الأهل والحكومة والمنظمات المدنية في حماية الأطفال زمن الحرب
في كل يوم تدوي في روحي وأعماق أمومتي صرخة الشاعر توفيق زياد وهو يقول:
(وأعطي نصفَ عمري للذي يجعلُ طفلاً باكياً يضحكْ).
فلو أن توفيق زياد بقي بيننا لطال عمره قروناً.. لأن بكاء وجوع الأطفال وتشردهم ونزوحهم واستغلالهم يتزايد يوماً بعد يوم بما يتناسب عكساً مع ضحكاتهم، التي قال عنها بدوي الجبل:
وصُن ضحكة الأطفال ياربّ إنها
إذا غرّدَتْ في موحشِ الرملِ أعشبا
ضحكات باتت من مخلفات الماضي لملائكة الأرض وزهرات الحياة وبهجتها في زمن الحروب والهزائم والكوارث والفظائع التي يقوم بها البشر، والتي أراها أكثر هولاً مما تُخلّفه كوارث الطبيعة الصمّاء.
جاء في المبدأ الثاني من الإعلان العالمي لحقوق الطفل:
(يجب أن يتمتع الطفل بحماية خاصة، وأن يُمنح، بالتشريع وغيره من الوسائل، الفرص والتسهيلات اللازمة لإتاحة نموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي نمواً طبيعياً سليماً في جوٍ من الحرية والكرامة. وتكون مصلحته العليا محل الاعتبار الأول في سن القوانين لهذه الغاية).
غير أن المشكلة المستعصية أنه في معظم الدول التي تدور فيها رحى الحرب، هي دول قد وقّعت على الإعلان العالمي، واتفاقية حقوق الطفل، وسواها من اتفاقيات لها علاقة بالأطفال زمن الحرب، هي ذاتها التي لا تقيم وزناً لا للطفولة وبراءتها ولا لحقوقها. وقد جاء في الإعلان العالمي بشأن حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة:
(وإدراكاً منها لما يعانيه النساء والأطفال من الآلام في كثير من مناطق العالم، وخصوصاً في المناطق المعرّضة للقمع والعدوان والاستعمار والعنصرية والسيطرة والتسلط الأجنبيين، وإدراكاً لمسؤوليتها إزاء مصير الجيل الصاعد وإزاء مصير الأمهات، اللاتي يؤدين دوراً عاماً في المجتمع وفي الأسرة، وخاصة في تنشئة الأطفال،
وإذ تضع في اعتبارها ضرورة توفير حماية خاصة للنساء والأطفال من بين السكان المدنيين، تصدر رسمياً هذا الإعلان، وتدعو جميع الدول الأعضاء إلى التزام الإعلان التزاماً دقيقاً:
1. يحظر الاعتداء على المدنيين وقصفهم بالقنابل، الأمر الذي يُلحق آلاماً لا تحصى بهم، وخاصة بالنساء والأطفال الذين هم أقل أفراد المجتمع مناعة، وتُدان هذه الأعمال.
5. تُعتبر أعمالاً إجرامية جميع أشكال القمع والمعاملة القاسية واللاإنسانية للنساء والأطفال، بما في ذلك الحبس والتعذيب والإعدام رمياً بالرصاص والاعتقال بالجملة والعقاب الجماعي وتدمير المساكن والطرد قسراً، التي يرتكبها المتحاربون أثناء العمليات العسكرية أو في الأقاليم المحتلة.
6. لا يجوز حرمان النساء والأطفال، من بين السكان المدنيين الذين يجدون أنفسهم في حالات الطوارئ والمنازعات المسلحة أثناء الكفاح في سبيل السلم وتقرير المصير والتحرر القومي والاستقلال أو الذين يعيشون في أقاليم محتلة، من المأوى أو الغذاء أو المعونة الطبية أو غير ذلك من الحقوق الثابتة، وفقاً لأحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإعلان حقوق الطفل، وغير ذلك من صكوك القانون الدولي).
فإذا ما نظرنا إلى هذه البنود، وحاولنا عكسها على أرض الواقع، فهل نجد لها إسقاطات حقيقية وصادقة في مناطق النزاع عامة، وفي سورية بشكل خاص؟
إننا نجد الأطفال في الشوارع يومياً ليس فقط في المناطق الساخنة، بل حتى في مناطق تشهد هدوءاً نسبياً، عرضةً لكل أنواع الاضطهاد والعنف والتشويه، من خلال تشردهم أو تسوّلهم أو القيام بأعمال لا تتناسب وأعمارهم ونموّهم العقلي والنفسي.
صحيح أن مجتمعاتنا لا تولي الرعاية النفسية بالمطلق اهتماماً لائقاً وضرورياً لاحتواء ردّة فعل الصدمات التي يتعرّض لها الأطفال أثناء الحرب، رغم تأكيد المختصين في علم النفس والتربية على أن أخطر آثار الحروب هو ما يظهر بشكل ملموس لاحقاً في جيل كامل من الأطفال سيكبر من ينجو منهم في ظلّ معاناة قاسية من مشاكل نفسية تُقدّر خطورتها بمدى اهتمام الحكومات ومنظمات المجتمع المدني بتلك الحالات، إضافة إلى استيعاب ووعي الأهل لكيفية مساعدة الطفل على تجاوز المشاهد التي مرت بهم.
ومن هنا، فإن الأزمة التي تمرُّ بها بلادنا في جميع المناطق تفرض على الحكومة ومنظمات المجتمع المدني والأهل تعاملاً جديّاً وإيجابياً مع الأطفال في المناطق الملتهبة، فما هو دور كلٍ منهم؟
أولاً- دور الحكومة ومنظمات المجتمع المدني:
إن الوضع القائم يتطلب من الحكومة بالدرجة الأولى العمل على إيجاد مراكز بحث ودراسات واستشارات نفسية- تربوية، ومن ثمّ على المجتمع المدني بمنظماته وجمعياته، لاسيما تلك التي تُعلن عن نفسها أنها أُنشِئت لحماية الأمومة والطفولة، أن تقوم بواجبها الأخلاقي والإنساني تجاه أولئك الأطفال الذين باتوا ركاماً محطّماً، وكمّاً مهملاً في حياتنا اليومية دون رادع لضمير أو مساءلة قانونية أو أخلاقية، حتى من قبل هذه الجهات. لأنه إن بقي الوضع على ما هو، فإن مستقبل البلاد سيكون مظلماً ومتخلّفاً، ذلك أن الأطفال والشباب هم عماد مستقبل الأمم بما يحملونه من عقول نيّرة قائمة على حياة نفسية شبه خالية من العُقد والأمراض التي تُعيق نموّهم وتطور المجتمع.
ومن الممكن تفادي هذه الحالات فقط إذا تذكّرنا الجانب النفسي للطفل في هذه الأوقات العصيبة. فمثلاً في العراق، وحسب ما ورد على لسان أحد ممثلي الأمم المتحدة كاريل دي روي، هناك 7,5 ملايين طفل عراقي في المدارس الابتدائية، ونتوقع أن يحتاج 10% على الأقل من هؤلاء الأطفال إلى علاج نفسي من صدمات تعرضوا لها خلال الحرب).
لذا جاء في المبدأ الثامن من الإعلان العالمي لحقوق الطفل:
(يجب أن يكون الطفل، في جميع الظروف، بين أوائل المتمتعين بالحماية والإغاثة).
وهذا يتطلب ضمن الإمكانات المتاحة القيام بحملات تطوعية لنشر وتعزيز ثقافة التطوّع أولاً، ومن ثم التشاركية والتشبيك مع منظمات الطفولة المحلية والإقليمية والدولية للعمل على مواجهة ما يعترض الأطفال بسبب النزاع المتفاقم يومياً، وكذلك إيجاد مؤسسات ونوادي رعاية مادية(طعام، لباس، أدوية.. إلخ)، إضافة إلى الرعاية النفسية المُلحّة، من أجل التقليل من الآثار التي خلّفتها المشاهد والحالات المروّعة التي تعرّض لها أولئك الأطفال أثناء وجودهم في المناطق الساخنة، وذلك على يد متخصصين أو مؤهلين يستطيعون مساعدة الأطفال المنكوبين على تجاوز آلامهم ومخاوفهم بأقل قدر ممكن من الأضرار الحالية والمستقبلية، وذلك بالقيام بورشات عمل علاجية تتضمّن الانطلاق بالأطفال نحو الحدائق والمتنزّهات أو الأماكن السياحية في محاولة لتسلل النسيان إلى ذاكرتهم ما أمكن. والأهم تعزيز مفهوم المحبة والتسامح الذي بدأ يتشوّه في داخلهم بسبب ما شاهدوه ولمسوه من حقد وكراهية وثأرٍ وانتقام بين متقاتلين كانوا جيراناً فيما سبق بمناطقهم.
كما علينا ألاّ نُغفل أهمية دور المدرسة بكادرها التربوي والتعليمي في تخفيف وقع الصدمة على الأطفال، في حال تمكنوا من الذهاب إلى مدارسهم، وذلك بزيادة حصص الرياضة وفترات الحركة التي تُساهم إلى حدٍّ كبير في تشتيت انتباه الأطفال عمّا عاشوه أثناء الأزمة. كما يجب تعزيز دور المرشدين النفسيين والاجتماعيين في التخفيف عن الأطفال بتخصيص حصّة درسية للحديث عن هذه الأمور من أجل تهيئتهم لتقبل هذا الأمر دون صدمات أو آثار مترسبة.
من هنا نجد أنه من الضروري مواصلة الدوام في المدارس بعد توقّف القتال بحيث ينشغل ذهن الطفل بما يتلقاه فيها بعيداً عن الحرب وآثارها.
ثانياً- دور الأهل في معالجة ما يعترض الطفل زمن الحرب:
جاء في المبدأ العاشر من الإعلان العالمي لحقوق الطفل:
(يجب أن يحاط الطفل بالحماية من جميع الممارسات التي قد تدفع إلي التمييز العنصري أو الديني أو أي شكل آخر من أشكال التمييز، وأن يُربى على روح التفّهم والتسامح، والصداقة بين الشعوب، والسلم والأخوّة العالمية، وعلى الإدراك التام لوجوب تكريس طاقته ومواهبه لخدمة إخوانه البشر).
إن هذا البند يُعزز دور الأهل في التعاطي مع أطفالهم أثناء التعرّض لتلك الأزمات، ولقد خلُصَت توجيهات المختصين في هذا المجال أنه على الأهل في حال تعرّض الطفل لظروف مروّعة أن يبدؤوا مباشرة بإحاطة أطفالهم بالمحبة والأمان والاطمئنان، فلا يتركوهم عرضةً لمواجهة هذه المشاهد دون دعم نفسي، وأن يحاول الوالدان كبت مشاعرهما وضبط نفسيهما، وعدم إظهار مخاوفهما من الحرب أمام الطفل، بل التحلي بالأمل بزوال الحرب سريعاً والتعبير عن القدرة على تجاوز الأزمة، وذلك عن طريق الحديث المتواصل معهم وطمأنتهم بأن كل شي سيكون على ما يرام. مع التركيز على بثِّ كلمات الحب، أو تشتيت فكرهم عن التركيز في الحدث المروّع خاصة في أوقات وقوع الغارات المخيفة على مقربة منهم، فهذه اللحظة هي الأهم في حياة الطفل النفسية، لأننا إن تركناه يواجهها منفرداً، يزداد أثرها السلبي بداخله على المدى القريب والبعيد.
وبالنسبة للأطفال الأكبر سناً، يمكن مناقشة ما يجري معهم وإقناعهم بأنهم في مكان آمن، أو أن القصف لن يطولهم، وأن الأهل يتخذون جميع الاحتياطات لحمايتهم، مع ضرورة عدم منعهم من البكاء أو السؤال عن عمّا يجري والحديث عنه، فمن الضروري معرفة ما يدور في تفكير الطفل، وأن نترك لمشاعره العنان في هذه الأوقات حتى لا تتراكم وتتعاظم الصدمة في داخله، كما يرى د. راينهارد تاوش، المتخصص بعلم النفس، إذ يقول: (فالطفل يعبّر عن مخاوفه بهيئة أسئلة يطرحها، فتساعده تلك الأسئلة في تثبيت وضعه النفسي). *
وفور توقف القتال، على الأهل تبديد قلق ومخاوف الأطفال من خلال الحركة واللعب خارج المنزل، في محاولة حثيثة لإبعادهم عن أجواء البيت والحرب، مما يساهم في زيادة انتشار الدم في دماغ الطفل، وبالتالي زيادة إمكان نسيان أو تناسي ما حصل له.
قد لا يستطيع الكثير من الأهل التجاوب مع ما طرحناه، وكذلك الحكومة والمدارس أو منظمات المجتمع المدني. وربما تكون الظروف أقوى مما يجب، لكن رغم كل شيء على الجميع المحاولة قدر المستطاع، من أجل الخروج بأطفالنا، وبالتالي مستقبل البلاد من الظلمة والقهر إلى غدٍ مشرق لهم ولنا.
موقع (عربيات) الالكتروني